«خلف الأسلاك الشائكة، الليلة الأولى: الصرخة الصامتة لامرأة سوفياتية في معسكر ألماني. شهادة نادرة عن رعبٍ بلا صوت، وعن انهيار العالم المعروف، وعن الإرادة الهشة للبقاء إنسانًا.»

اسمي إيكاترينا ميلنيك، لكن طوال حياتي كانوا ينادونني كاتيا فقط. الآن أبلغ من العمر 68 عامًا، وأكتب هذه السطور في عام 1992، حين كانت يداي ترتجفان وقلبي يخفق بشدة كقطار قديم على معبر سكة حديد. التزمت الصمت لما يقارب نصف قرن، لأنه كان من الأسهل البقاء على قيد الحياة، أن أصمت، أن أطوي صفحة ذاكرتي، أن أتعلم الحديث عن الطقس دون ذكر الليالي.

لكنني أشعر الآن أن وقتي قد نفد تقريبًا. وإن لم أنطق بكلمة، فلن يبقى سوى الصمت. لا أريد الانتقام. أريدك أن تفهم: الحرب لا تنتهي بتوقف إطلاق النار. بالنسبة للبعض، تستمر في الوجود في الروائح والأصوات، في الفراغ المفاجئ بين الكلمات. لا أعتقد أن البطلة قديسة.

أنا مجرد امرأة كنت في الثامنة عشرة من عمري، وكنت أتوق إلى الحياة. كانت حياتي قبل الحرب عادية، ولذلك فهي عزيزة جدًا على ذاكرتي. عشنا قرب كييف، في قرية صغيرة. في الصباح، كنت أحمل الماء، ثم أركض إلى المدرسة، وفي المساء، كنت أساعد أمي في تقشير البطاطس وإصلاح الملابس. كان والدي، بافل، يعمل في السكك الحديدية، وكان يأتي بالأخبار إلى المنزل قبل الآخرين، لأنه كان هناك دائمًا من يتحدث في المحطة أكثر من اللازم.

كانت والدة أولينا تُدير المنزل وكأن نظافة الأرضية ودفء الموقد هما أساس نظام العالم. كان لديّ أخت صغرى، ماروسيا، كانت تعتقد أنني أستطيع حمايتها من كل شيء. أتذكر رائحة الدفاتر والحبر الرخيص، والتفاح الذي كنا نخبئه في جيوبنا حتى لا نشاركه مع الأولاد.

أتذكر كيف كانت ليدا، صديقتي من المدرسة، تضحك بصوت عالٍ لدرجة أن المعلمة كانت تتظاهر بالغضب، لكنها كانت تبتسم. كنت أحلم بأن أصبح ممرضة. ليس لأن الأمر رومانسي، بل لأنني كنت أحب أن أرى كيف يصبح الناس أسهل في رعايتهم بين أيدينا. في عام ١٩٤١، حلّ الاحتلال. أولًا جاءت كلمات الآخرين على الورق وأحذية الآخرين في الشوارع. ثم جاءت القوائم.

ثم تسلل الخوف إلى حديثنا، وبدأت أمي تهمس حتى عندما كنا وحدنا. قال أبي ذات مرة: “المهم هو… أن نبقى متحدين”. لكن البقاء متحدين لم يمنحنا ذلك. تغير كل شيء تدريجيًا، كما لو أننا اعتدنا على الإذلال شيئًا فشيئًا. في البداية، طالبوا بتبرعات من الحبوب والبيض، ثم بدأت عمليات التفتيش.

ثم اختفى جيران أحدهم، رحلوا ولم يعودوا أبدًا، وكانوا يتحدثون عنهم كما لو كانوا أمواتًا بالفعل، حتى لا يثيروا المشاكل. في الليل، كنت أسمع دوي انفجارات بعيدة مكتومة، وأظن أن الأرض تحت أقدامنا فارغة كطبل. في عام ١٩٤٢، بلغتُ الثامنة عشرة من عمري. صنعت أمي فطيرة صغيرة مما استطعنا جمعه.

وتناولنا الطعام في صمت، لأن الاحتفال بصوت عالٍ في تلك الأيام كان يُعتبر مُحرجًا لشهور. وفي العام نفسه، وصل إعلانٌ عن عمل في ألمانيا إلى القرية. وعدوا بالخبز والمأوى. لكن في أصوات من سمعوا الإعلان، لم يكن هناك وعد، بل طلبٌ فقط.

في البداية، حاول الناس الاختباء. لجأ بعضهم إلى الغابة، وقضى آخرون الليل عند أقارب بعيدين، بينما رشا آخرون شيخ القرية. لكن كل هذا لم يدم إلا حتى الهجوم الأول. أتذكر كلمة “هجوم” وكأنها لكمة. تعني أنك ستُؤسر. كيف يُؤسر حيوان؟ أُخذتُ في الصباح الباكر، بينما كنتُ لا أزال مستلقيًا على العشب الندي. لم أتمكن إلا من ارتداء وشاح والتقاط حزمة خبز.

أمي، لا… بكيتُ، وهذا زاد الأمر سوءًا. حاول أبي أن يقول شيئًا، لكنه دفعني بعيدًا. صرخت ماروسيا وأمسكت بي. انتزعتُ أصابعها من كفها، وإلا لكنا تشاجرنا. كانت تلك المرة الأولى التي فهمت فيها. أحيانًا، لا يُنقذ الحب، بل يزيد الألم.

كنا كثيرين في مؤخرة الشاحنة. فتيات من القرى المجاورة، وامرأتان كبيرتان في السن، وفتى بشفته مجروحة، أُخذ على الفور لأنهم كانوا بحاجة إلى أيادي النساء فقط. رأيتُ ليدا؛ كانت شفتاها شاحبتين. قالت: “كاتيا، تمسكي بي”. وتشبثتُ بها كما لو كنتُ يدها – فهذا هو الرابط الأخير بالوطن.

كانت رائحة الطريق مزيجًا من الديزل والخوف. قدنا السيارة لوقت طويل، دون توقف تقريبًا. كانوا يقدمون لنا الماء من زجاجة متسخة، ويصرخون عندما يحاول أحدهم الشرب لفترة طويلة. ثم كانت هناك عربات الشحن المظلمة. كانت تفوح منها رائحة العفن والخشب القديم. عندما يُغلق الباب بقوة، يصبح القطار مكتظًا لدرجة أن أنفاس الركاب الآخرين تلامس وجهي. في القطار، تتلاشى إنسانيتك.

أصبحنا كتلةً تكافح للبقاء على قيد الحياة من الاكتظاظ. أصيب أحدهم بالحمى. ظلت فتاة تُدعى نينا تُردد أن والدتها تنتظرها تلك الليلة، وأنها ستعود. قالت ذلك بإصرارٍ شديدٍ جعلني أفهم: ليس هذا أملاً، بل هو الحبل الذي تتشبث به كي لا تغرق.

أحيانًا كان القطار يتوقف فنسمع صوت خطوات في الخارج. ذات مرة، انفتح الباب قليلًا، فألقوا علينا دلوًا من الماء وقطعة خبز. أعطتني ليدا قطعة صغيرة وهمست: “كُل، عليك أن تأكل”. لم أكن أرغب في ذلك، لكنني أكلت. في تلك اللحظة، شعرت للمرة الأولى أنه حتى في الجحيم توجد لفتات إنسانية صغيرة، لا تُنقذك، لكنها تُساعدك على ألا تتحول إلى حجر.

عندما توقف القطار لفترة طويلة، انفتح الباب لدقيقة، وهبت علينا موجة أخرى من الهواء البارد القارس. سمعنا صيحات باللغة الألمانية من الخارج. لم نفهم الكلمات، لكننا فهمنا نبرة الصوت. قُذفنا من على الرصيف وارتطمنا بعمود. نظروا إلينا وكأننا عبء ثقيل.

ثم كان هناك مخيمٌ مُضاءٌ بأضواءٍ كاشفةٍ وشبكات. كانت تفوح منه رائحة التراب الرطب والمبيض. أتذكر كيف كان الضوء يُسلط على أعيننا، وشعرتُ وكأنهم يروننا من خلالنا. اقتادونا إلى غرفةٍ وأمرونا بخلع ملابسنا. حاولتُ أن أُغطي نفسي بيديّ، لكن… طرقوا على القرص وضحكوا. أخذوا كل شيء: حزمًا صغيرة، وأوشحة، وصورًا، حتى الخيط الذي كان يربط ضفيرتي. لم تعد لديّ ضفيرة.

كان ماء الدش باردًا جدًا. لم يغسل الأوساخ، بل محا الشعور بأن ذلك الجسد ملكٌ لنا. أُجبرنا على رفع أيدينا، وإدارة ظهورنا، وفتح أفواهنا، والنظر إلى شعرنا، وآذاننا، وتحت أظافرنا. رأيتُ ليدا واقفةً في مكان قريب، وفجأةً حدّقتُ بها، كما لو أنها لم تعد موجودة.

ثم أعطونا فساتين رمادية متطابقة، وهناك رأيتُ لأول مرة علامة كان من المفترض أن تحل محل الاسم. كانت الأحرف OS مطرزة على القماش، وكانت هذه الشارة تُشير للجميع من حولنا إلى أننا عمال من الشرق، وأننا نستطيع أن نُعامل كما نشاء تحت سلطتنا. نُقلنا إلى معسكر العبور المسمى فيلهلمسهاجن ليتم توزيعنا على المصانع، بعضنا إلى المصنع، وبعضنا إلى المزرعة، وبعضنا إلى المدينة.

كان الوضع هناك مرعبًا للغاية بسبب التوقعات. لا تزال تجهل مكان وجودك غدًا، لكنك تعلم مسبقًا أنهم لن يعيدوك إلى ديارك. شرحوا لنا القواعد بالإيماءات والصراخ: قف، اخفض نظرك، لا تتكلم. كانت الكلمات الألمانية تحرق أذني كالشظايا الجافة. وسرعان ما تعلمت فهم المعنى من نبرة الصوت فقط.

أحيانًا كان يظهر مترجمٌ في الجوار، شابٌ يُدعى فولوديا، وهو أيضًا منّا. لكنه كان المسؤول عن مساعدتهم. كان يتحدث بهدوء وسرعة، دون أن يرفع عينيه، كما لو أنه حرم نفسه من كونه إنسانًا. لم أكرهه حينها. كنتُ أدرك أن لكل شخصٍ هناك طريقته الخاصة في البقاء.

كانت رائحة أرضية المهجع الرطبة والبول وعرق النساء تفوح في الليل. كنا مستلقيات على أسرّة بطابقين، في صفوف متفرقة. سمعتُ حفيف الفئران في مكان ما. كانت إحداهن تبكي، تخفي وجهها في كمّها. استلقيتُ هناك، أعدّ أنفاسي، لأنّ عدّ الأنفاس يُشعرك بأنّك ما زلت تملك بعض السيطرة. بعد حوالي ساعة، فُتح الباب ودخلت ممرضتان.

كانوا يرتدون أحزمةً ووجوههم جامدة. إحداهن تُدعى فراو هيرتا. سارت بين الأسرّة وسلطت ضوء مصباحها على وجوههم، كما لو كانت تبحث عن أشياء لا عن أشخاص. بدأوا يشيرون إليها قائلين: “أنتِ، أنتِ، أنتِ”. سُحب أحدهم من على كتفه، وأُجبر آخر على الوقوف.

Related Posts

TERREMOTO POLITICO: Silvia Salis TRADISCE il PD e si SCHIERA Con Meloni!

Il “Gran Salto” di Silvia Salis: la sindaca PD di Genova rompe gli indugi e incorona Giorgia Meloni Nel mondo dello sport, il lancio del martello richiede forza, equilibrio e…

Read more

Pregarono… e furono violentate – La testimonianza dimenticata delle suore deportate

“Mi chiamo suor Marie-Thérèse. Nel 1943 avevo 24 anni. Oggi ne ho 86. Non ho mai parlato di questo, né ai miei superiori, né alle mie consorelle, nemmeno al mio…

Read more

BIGNAMI SHOCK: “DOVETE FARE SILENZIO!”: L’attacco frontale che la sinistra non dimenticherà!

Bignami umilia la sinistra in Aula: “Niente lezioni di mafia da chi si inchina ai boss in cella” Esistono momenti nella vita parlamentare in cui il protocollo formale cede il…

Read more

«Mi darai un figlio» – Il generale tedesco che mi costrinse a rimanere incinta

“Mi chiamo Arianne de Lorme. Sono nata nel 1924 a Beaune, una cittadina della Borgogna nota per i suoi vigneti e i suoi tetti di tegole smaltate. Prima della guerra…

Read more

💖Jack Della Maddalena utilizó discretamente el dinero de su premio tras su victoria para comprar todos los gimnasios antiguos ubicados en el corazón de Perth, Australia, los lugares donde solía entrenar de niño con equipos desgastados y rotos. En lugar de demolerlos, optó por hacerlo.

Tras su victoria, Jack Della Maddalena utilizó discretamente el dinero de su premio para comprar todos los gimnasios antiguos del centro de Perth, Australia, los mismos lugares donde entrenó de…

Read more

15 MINUTES AGO: “This is completely pointless! Why do we even have to play matches like this?!” John Stones has spoken out, claiming that the friendlies he’s forced to participate in are unnecessary.

15 MINUTES AGO: “This is completely pointless! Why do we even have to play matches like this?!” John Stones Has Spoken Out, Claiming Friendlies Are Unnecessary In a stunning outburst…

Read more

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *