“ما زلت أسمعها، حتى الآن، وأنا في التسعين من عمري، جالسة في غرفة المعيشة الهادئة هذه، حيث يتسلل ضوء ما بعد الظهيرة بلطف عبر الستائر؛ ما زلت أسمع صوت ذلك الباب الحديدي وهو يُغلق خلفي في تلك الليلة من شهر أبريل عام 1944. إنها ليست ذكرى؛ إنها حضور.”

المعدن البارد يلامس ظهري العاري، ورائحة العفن وعرق الرجال عالقة بالجدران، وأنفاس شخصٍ لم يرَ وجهي كإنسان. قضيتُ 63 عامًا أحاول محو كل ذلك. لكن بعض الذكريات لا تموت، بل تنتظر، كامنة في الظلام حتى تصبح وحيدًا بما يكفي لمواجهتها.

اسمي إيزولد دي ماريفو، وما سأخبركم به ليس موجوداً في كتب التاريخ . لم يُدرج في التقارير الرسمية عن الاحتلال النازي لفرنسا لأن ما فعلوه بنا – 45 امرأة سُحبن من منازلهن في صباح واحد – طُمِس عمداً، ودُفن، وأُسكت عنه لعقود.

لكنني نجوت، وطالما أن صوتي لا يزال يعمل، فلن تموت الحقيقة بموتي. ولدتُ عام ١٩٢٠ في قرية صغيرة شمال ليون، محاطة بكروم العنب التي زرعها جدي منذ صغره. كانت الحياة هناك بسيطة، يمكن التنبؤ بها، متناغمة مع الفصول ودقات جرس الكنيسة التي كانت تُقرع ثلاث مرات في اليوم.
كان والدي حدادًا. وكانت والدتي تخيط فساتين لنساء المنطقة. كنتُ الأخت الكبرى بين ثلاث شقيقات. تعلمتُ منذ صغري كيف أعتني بالمنزل، وكيف أخبز الخبز، وكيف أغسل الملابس في النهر المتجمد شتاءً. لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نملك كرامة. كان لنا اسم، وكان لنا وجه.
كنتُ إيزولدا، لا مجرد رقم، ولا شيء. كنتُ إنسانة. عندما بدأت الحرب عام ١٩٣٩، كنتُ في التاسعة عشرة من عمري. في البداية، بدا الاحتلال الألماني بعيدًا. كان هناك شيء ما يحدث في باريس، في المدن الكبرى. لكن للحرب قدرة على الانتشار. كبقعة زيت على ماء صافٍ، تُلوِّث كل شيء.
في عام ١٩٤٣، وصل الجنود الألمان إلى منطقتنا. أنشأوا مركز قيادة في قصر مهجور على بُعد ثلاثة كيلومترات من القرية. فجأة، انتشرت البدلات الرمادية في الشوارع، وترددت أصداء الأصوات الألمانية الحادة في الساحات، وصاحت الأوامر في وجه من لم يفهمها. وكانت هناك نظراتٌ حادةٌ تُمعن النظر إلينا كما لو كنا نُقيّم الماشية.
ما زلتُ أتذكر اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء. كان يوم ثلاثاء، الثاني عشر من أبريل. كانت السماء ملبدة بالغيوم الرمادية التي بدت وكأنها تنذر بكارثة. كنتُ أساعد أمي في نشر الغسيل على الحبل عندما سمعتُ صوت شاحنات تقترب. لم تكن شاحنات توصيل الطعام التي اعتدنا عليها.
كانوا أكبر حجماً وأثقل وزناً، ويتحركون ببطء، كما لو كانوا يبحثون عن شيء ما. توقفت أمي عما كانت تفعله ونظرت إليّ بنظرة خوف لا تدركها إلا امرأة عاشت ويلات الحرب. لم تنطق بكلمة. أمسكت بيدي وسحبتني إلى الداخل. لكن الوقت كان قد فات.
توقفت الشاحنات أمام بابنا. ما زلت أسمع صوت أقدامهم وهي تدوس على الأسفلت، تقترب. حُطِّم الباب بضربة واحدة. دخل ثلاثة جنود. كان أحدهم يحمل قائمة. كان اسمي مكتوبًا عليها: إيزولدي دي ماريفو. عمري ٢٤ عامًا، عزباء، بصحة جيدة، ولياقة بدنية. لم يُفسِّروا شيئًا.
أشاروا إليّ وقالوا شيئًا بالألمانية لم أفهمه. بدأت أمي بالصراخ، وأمسكت بذراعي، وتوسلت إليهم بالفرنسية أن يسمحوا لي بالبقاء. دفعها أحد الجنود بقوة فسقطت أرضًا. بدأت أختي الصغيرة، مارغو، بالبكاء.
لم يكن والدي في المنزل. لقد ذهب إلى السوق في البلدة المجاورة. لم أره بعدها. سُحبتُ من المنزل. لم يكن لديّ وقت لأخذ أي شيء – لا معطف، ولا صورة، ولا حتى عناق أخير. رُميتُ في صندوق شاحنة صغيرة مغطاة بقماش داكن، حيث كانت نساء أخريات متجمعات بالفعل.
كان بعضهم يبكي، بينما بقي آخرون صامتين، ونظراتهم شاردة، وكأنهم أدركوا أن البكاء لن يغير شيئًا. تعرفت على بعضهم: ماري، ابنة الخباز؛ سيمون، التي كانت تعمل في المدرسة؛ هيلين، التي تزوجت قبل ثلاثة أشهر فقط. كنا في المجموع 45 شخصًا.
كانت أصغرنا في السابعة عشرة من عمرها، وأكبرنا في الثانية والأربعين. لم يكن للعمر أي أهمية. لم يكن مهمًا إن كنا أمهات أو زوجات أو بنات؛ لم يكن مهمًا إن كانت لدينا أحلام أو خطط أو عائلات تنتظرنا. هناك، في تلك الشاحنة المظلمة التي تفوح منها رائحة الخوف والبول، لم نعد بشرًا. أصبحنا مجرد بضائع.
استغرقت الرحلة ساعات، لا أدري كم منها. فقدتُ الإحساس بالوقت. اهتزت الشاحنة بعنف على الطرق المليئة بالحفر. تقيأت بعض النساء، وأغمي على أخريات. بقيتُ بلا حراك، متكئة على الجدار الخشبي البسيط، أشعر بالهواء البارد يتسرب من خلال ثقوب القماش المشمع.
حاولتُ حفظ الطريق من خلال الأصوات. صوت الحصى، صوت النهر، صفير القطار البعيد – أي شيء قد يساعدني في العودة يومًا ما. لكن الحقيقة أنني كنت أعرف مسبقًا. كنت أعرف أنني لن أعود كما كنت. عندما توقفت الشاحنة أخيرًا، مُزّق الغطاء فجأة.
أبهرني ضوء أواخر العصر لبضع ثوانٍ. عندما اعتادت عيناي على الضوء، رأيت أين نحن. معسكر محاط بالأسلاك الشائكة، مع صفوف من الثكنات الخشبية، وأبراج مراقبة، وجنود مسلحين في كل زاوية، وفي الخلفية، مبنى حجري رمادي أكبر بنوافذ ضيقة وقضبان حديدية.
لم يكن معسكر عمل قسري، ولم يكن سجناً عادياً، بل كان شيئاً مختلفاً. شيئاً لم تُقرّ به السجلات الرسمية قط. أُجبرنا على النزول فرداً فرداً، في صف واحد، دون أن ننطق بكلمة، ودون أن ننظر إلى الجانب. كان ضابط ألماني طويل القامة، يرتدي زياً عسكرياً أنيقاً، يسير ببطء في مقدمة الصف.
كان يراقبنا كما لو كان يتفقد بضاعة. توقف أمام بعضنا، ورفع ذقوننا بطرف قفاز جلدي، وأدار وجوهنا من جانب إلى آخر. عندما وصل إليّ، توقف. شممت رائحة التبغ والعطور الفاخرة. قال شيئًا بالألمانية لجندي آخر، فدوّن الجندي شيئًا ما على لوحة.