أثارت تصريحات منسوبة إلى الدكتور جون كامبل، وهو مُتخصص في التواصل العلمي ومحلل طبي يحظى بمتابعة واسعة على المنصات الرقمية، موجة جديدة من الجدل الدولي، حيث أكد أن “ما وجده العلماء على كفن تورينو ليس من هذا الكوكب”. وقد أعاد هذا التصريح اللافت إشعال جدل قديم يمزج بين العلم والإيمان وعلم الآثار والتواصل الإعلامي، ليضع كفن تورينو مرة أخرى في قلب الاهتمام العالمي.

يُعدّ كفن تورينو من أكثر الآثار دراسةً وتبجيلاً ونقاشاً في التاريخ. وهو عبارة عن قطعة قماش من الكتان تحمل صورة رجل عليها علامات تتوافق مع الصلب الموصوف في الأناجيل المسيحية. بالنسبة لملايين المؤمنين، يُعتبر الكفن كفن دفن السيد المسيح. أما بالنسبة للمتشككين والعلماء النقديين، فهو قطعة أثرية من العصور الوسطى، أو تزوير متقن، أو أداة طقسية لا صلة مباشرة بين أصلها بيسوع الناصري. وبين هذين النقيضين، نشأ حوارٌ مكثف بين العلم والدين على مدى عقود.
لم تأتِ تصريحات الدكتور كامبل من فراغ. فعلى مدى سنوات، قامت فرق علمية مختلفة بتحليل الكفن باستخدام تقنيات متطورة، من المجهر الإلكتروني إلى التحليل الطيفي ودراسات التصوير ثلاثي الأبعاد. ومن أكثر الجوانب التي حيّرت الباحثين طريقة نقش الصورة على القماش. فبخلاف الرسم أو النقش التقليدي، لا تخترق الصورة ألياف الكتان بعمق، بل تؤثر فقط على الطبقة الخارجية، وهو أمر يصعب محاكاته بالتقنيات الفنية المعروفة.
أشار كامبل، في معرض حديثه عن هذه النتائج، إلى أنه لا يوجد تفسير علمي مُتفق عليه عالميًا قادر على إعادة إنتاج التأثير الملحوظ على الكفن بدقة. وفي هذا السياق، فُسِّرت عبارته “ليس من هذا الكوكب” من قِبَل البعض على أنها تعبير مجازي يهدف إلى التأكيد على التعقيد الاستثنائي لهذه الظاهرة، بينما أخذها آخرون حرفيًا، مما أدى إلى ظهور نظريات أكثر تكهنًا حول أصلها.
من وجهة نظر علمية بحتة، يظل كفن تورينو قطعة أثرية فريدة. إذ تحتوي الصورة على معلومات ثلاثية الأبعاد مُشفّرة في شدة ألوانها، وهو ما اكتُشف في القرن العشرين من خلال التحليل الحاسوبي. وقد سمحت هذه الخاصية بتكوين صورة بارزة للجسم المصوّر، وهو أمر لا يحدث في الصور الفوتوغرافية أو اللوحات العادية. ويرى العديد من الباحثين أن هذه التفاصيل تشير إلى أن عملية تكوين الصورة كانت مرتبطة بحدث فيزيائي معقد، لم يُفهم بالكامل بعد.

مع ذلك، لا يتفق جميع العلماء مع التفسيرات الأكثر غرابة. ففي عام ١٩٨٨، خلصت دراسةٌ باستخدام التأريخ بالكربون المشع (الكربون-١٤) إلى أن الكفن يعود إلى العصور الوسطى، تقريبًا بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر. وقُدِّمَت هذه النتيجة كدليل قاطع على أن الأثر لا يمكن أن يكون كفن السيد المسيح. ومع ذلك، ظهرت بمرور الوقت انتقادات منهجية لهذا التحليل، بما في ذلك تساؤلات حول مصدر العينات، واحتمالية التلوث، والإصلاحات اللاحقة التي أُجريت على الكفن.
لطالما أشار الدكتور جون كامبل، المعروف بتحليله النقدي للدراسات العلمية، إلى أن العلم يتقدم بمراجعة استنتاجاته. وفي حالة كفن تورينو، يرى أن اختزال النقاش إلى اختبار واحد أُجري قبل عقود يتجاهل كمًا هائلًا من البيانات التي تراكمت منذ ذلك الحين. بالنسبة لكامبل، لا يكمن الحل في تحديد ماهية الكفن بشكل قاطع، بل في إدراك أن خصائصه تتحدى التفسيرات البسيطة.
كانت ردود الفعل على تصريحاته سريعة. احتفت الجماعات الدينية بكلمات الطبيب باعتبارها تأكيدًا غير مباشر على صحة الكفن، مُفسّرةً إياها على أنها دليل على أن العلم الحديث يواجه قيودًا عند محاولته تفسير الأحداث المرتبطة بالقدرات الإلهية. بالنسبة لهذه الجماعات، فإن فكرة عدم إمكانية تفسير الصورة بالعمليات الطبيعية المعروفة تُعزز الاعتقاد بأصل خارق للطبيعة.
في المقابل، انتقد العلماء المتشككون والمتواصلون العلميون العقلانيون بشدة طريقة نشر هذه التصريحات. فهم يرون أن عبارات مثل “لم يكن من هذا الكوكب” قابلة لسوء الفهم بسهولة، وتساهم في نشر المعلومات المضللة. ومن هذا المنطلق، يشيرون إلى أن عدم وجود تفسير كامل لظاهرة ما لا يعني بالضرورة أن لها أصلًا فضائيًا أو خارقًا للطبيعة، بل يعني ببساطة أن البحث لم يصل بعد إلى نتيجة نهائية.
أبرز النقاش أيضًا دور وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في تضخيم الرسائل المعقدة. فعبارة لافتة، إذا ما اقتُطعت من سياقها الأوسع، قد تنتشر بسرعة البرق وتفقد دلالاتها الأساسية. في حالة كامبل، يرى بعض أتباعه أن قصده كان التأكيد على فرادة الكفن، لا الترويج لنظريات استثنائية. بينما يعتقد آخرون أن اختيار الكلمات كان مقصودًا، بهدف إثارة التفكير والنقاش.

بغض النظر عن الجدل الدائر حوله، يبقى كفن تورينو نقطة التقاء لمختلف التخصصات. يدرس المؤرخون رحلته عبر القرون، محللين الوثائق والسجلات التي تذكر آثارًا مماثلة. يبحث الكيميائيون والفيزيائيون في تركيب الألياف والآليات المحتملة لتكوين الصورة. يتأمل اللاهوتيون في دلالته الروحية، بغض النظر عن صحته التاريخية. عند هذا التقاطع المعرفي، يُصبح الكفن مرآةً لأعمق تساؤلات البشرية حول الإيمان والدليل والغموض.
لقد ساهم السياق الحالي، الذي يتسم بتزايد انعدام الثقة بالمؤسسات وتجدد الاهتمام بالتفسيرات البديلة، في زيادة تأثير تصريحات مثل تصريح كامبل. فبالنسبة للبعض، يمثل هذا التصريح صوتًا شجاعًا يتجرأ على الاعتراف بحدود المعرفة العلمية. بينما يراه آخرون مثالًا على كيف يمكن للغة غير الدقيقة أن تغذي الروايات المثيرة للجدل.
الحقيقة هي أنه بعد عقود من الدراسات الحديثة الأولى، لا يزال كفن تورينو عصياً على التفسير القاطع. فكل تحليل جديد يبدو أنه يجيب على بعض الأسئلة بينما يثير في الوقت نفسه أسئلة أخرى. وبهذا المعنى، فإن العبارة المنسوبة إلى الدكتور جون كامبل تلخص بشكل مثير للجدل حقيقةً مزعجةً لكل من المؤمنين والمتشككين: فهناك جوانب من هذا الشيء لا تزال لا تتناسب تماماً مع الأطر التفسيرية الحالية.
بينما يستمر الجدل، تحافظ السلطات الكنسية على موقف حذر. لم تُعلن الكنيسة الكاثوليكية رسميًا صحة الكفن أو تزويره، مفضلةً تقديمه كرمز يدعو إلى التأمل والتدبر الروحي. يتناقض هذا الحياد المؤسسي تناقضًا صارخًا مع حدة النقاش العام، حيث يبدو أن كل تصريح جديد يرجح كفة أحد الطرفين.
في نهاية المطاف، يتجاوز تأثير كلمات جون كامبل الكفن نفسه بكثير. فهو يثير تساؤلاً جوهرياً حول كيفية تواصلنا العلمي، وكيفية تفسيرنا للمجهول، وإلى أي مدى نحن مستعدون لتقبّل عدم اليقين. يبقى ما إذا كان كفن تورينو هو كفن دفن السيد المسيح سؤالاً مفتوحاً للكثيرين. لكن ما لا يُنكر هو أنه، بعد قرون من اكتشافه، لا يزال يثير الرهبة والجدل، ويُشعل في النفس البشرية رغبة عميقة في فهم ما لا يُفسَّر.