كنتُ في التاسعة عشرة من عمري، حاملاً في شهري السادس، عندما سمح والدي للجنود الألمان باقتيادي. لعقود، حملتُ هذه الذكرى معي كأنها خيانة. لكن ما اكتشفته بعد سنوات، مخبأً في رسائل لم يرسلها لي قط، وفي إيماءات لا أستطيع فك رموزها إلا الآن، غيّر كل شيء. الحب والجبن قد يجتمعان في الفعل نفسه. وأحيانًا يظن من يسلموننا إلى الرعب أنهم ينقذوننا. اسمي إيسوريا فالمونت.
وُلدتُ في مونفيران لو با، وهي قرية صغيرة يقل عدد سكانها عن أربعمائة نسمة، تقع بين تلال وسط فرنسا المحتلة. قضيتُ طفولتي بين حقول القمح، وحضور قداس الأحد، ورائحة الخبز الشهية المنبعثة من مخبز موريل. تعلمتُ في سن مبكرة أن الصمت وسيلة للبقاء، وأن الأسئلة مُقلقة، وأن الطاعة حماية.
لكن لم يكن أي من هذا ليُهيئني لصباح يوم أكتوبر عام 1943، عندما سمعتُ وقع أقدام عسكرية ألمانية تدق على الطريق الحجري المؤدي إلى باب منزلنا، وعرفتُ من نظرة والدي أن شيئًا لا رجعة فيه على وشك الحدوث.
![]()
سقطت مونفيران لو با تحت الاحتلال الألماني في يونيو 1940، بعد فترة وجيزة من توقيع الهدنة بين فرنسا والرايخ الثالث. ومنذ ذلك الحين، انقسمت الحياة بين المتعاونين مع الألمان، والمقاومين سرًا، ومن حاولوا البقاء على قيد الحياة دون الانحياز لأي طرف. كان والدي، أرماند فالمونت، ينتمي إلى المجموعة الثالثة، أو هكذا كان يردد كل مساء على مائدة العشاء بصوت خافت، وعيناه مثبتتان على طعامه. كان حدادًا، يصلح الأدوات وحدوات الخيول والبوابات. رجل ذو يدين خشنتين وبطيء الكلام، لم يبتسم منذ بداية الحرب.
كانت أمي، سيمون، تعتني بالمنزل والحديقة وبي. كانت تدعو بهدوء وهي تخيط، كما لو أن كل غرزة كانت دعاءً هامساً ضد الخوف الذي كان يغمرنا جميعاً.
حملتُ في مارس/آذار عام ١٩٤٣. كان والد الطفل جوليان مارشان، ابن نجار من قرية سان لوران المجاورة. كنا نعرف بعضنا منذ الطفولة، لكن علاقتنا توطدت عندما أجبرتنا الحرب على النضوج بسرعة. كان ذا عينين داكنتين، ويدين ثابتتين، وطريقة كلام رقيقة جعلتني أؤمن بأن المستقبل لا يزال ممكنًا. كنا نلتقي سرًا، دائمًا عند غروب الشمس، قرب الطاحونة المهجورة على ضفة النهر. وهناك حملتُ بابني.
وهناك أيضاً وعدني جوليان بالزواج حالما تنتهي الحرب. بعد ثلاثة أسابيع، اختفى. انتشرت شائعات بأنه اعتُقل لتوزيعه منشورات المقاومة. كما انتشرت شائعات أخرى بأنه نُقل إلى معسكر عمل قسري في ألمانيا. كثرت الشائعات، لكن لم يكن أحد يعلم على وجه اليقين. وعندما نجهل الحقيقة، يملأ الخوف الفراغ بأبشع الصور الممكنة.
أخفيتُ حملي لأطول فترة ممكنة. كنتُ أرتدي ملابس فضفاضة وشالات واسعة، وأتجنب الخروج من المنزل. كانت أمي تعلم، لكننا لم نتحدث عن الأمر علنًا قط. كانت ببساطة تفك أزرار ملابسي ليلًا، في صمت، بينما كان أبي نائمًا. كان هناك شعورٌ ضمني بالعار، ليس بسبب الحمل نفسه، بل لما يمثله في ذلك السياق. كانت المرأة الحامل غير المتزوج تُعتبر عبئًا، ومشكلة أخلاقية، ومجرد فم آخر يجب إطعامه خلال فترات التقنين.
واجهت النساء الحوامل تحت الاحتلال الألماني مخاطر لم يجرؤ أحد على ذكرها علنًا.
![]()
في صباح الرابع عشر من أكتوبر، استيقظتُ على صوت محرك ديزل قادم من الشارع. نظرتُ من خلال شق نافذة غرفتي فرأيتُ شاحنة عسكرية متوقفة أمام منزلنا. ترجّل منها أربعة جنود ألمان. كان أحدهم يحمل سبورة صغيرة عليها بعض الأوراق. كان قلبي يخفق بشدة. نزلتُ إلى الطابق السفلي. كان والدي في غرفة المعيشة، واقفًا متصلبًا، ويداه ترتجفان قليلًا. كانت والدتي تمسك بقطعة قماش كدرع. لم ينبس أحد ببنت شفة. فُتح الباب قبل أن نطرقه.
دخل الضابط، ونطق اسمي الكامل، إيسوريا هيلين فالمونت، وأخبرني بضرورة مرافقتهم فورًا. قال إنها استدعاء مدني إلزامي. وأضاف أنها جزء من برنامج لإعادة توظيف النساء لتقديم الدعم اللوجستي للقوات. قال كل هذا بهدوء بيروقراطي جعل العنف يبدو أكثر بشاعة.
لم يعترض أبي، ولم يصرخ، ولم يدافع عني. اكتفى بخفض رأسه وهمس بكلمات لم أسمعها. أطلقت أمي شهقة مكتومة، لكنها لم تتحرك. أمسكتُ بشال صوفي رمادي معلق على ظهر كرسي، وتبعتُ الجنود. نزلتُ الدرجات الخشبية الثلاث إلى الباب الأمامي. شعرتُ بقطرات المطر الخفيفة على وجهي، واستنشقتُ رائحة الأرض الرطبة ممزوجةً بصوت محرك القطار، وشعرتُ بصمت القرية بأكملها، كما لو أن الجميع يراقبونني من خلف ستائرهم، لكن لا أحد يجرؤ على الظهور.
كانت هناك نساء أخريات في الشاحنة يجلسن على مقاعد خشبية، متقابلات، بنظرات شاردة وأيدٍ متشابكة. تعرفت على بعضهن: سيليستين رو، التي تسكن على بُعد ثلاثة منازل من منزلي؛ مايلين فورنييه، ابنة الجزار؛ وأوديت كاريل، معلمة، صغيرة السن وهادئة للغاية. كنا جميعًا هناك لنفس السبب الخفي، سبب لم يُفسّره أحد لكن الجميع فهمه.
انطلقت الشاحنة. شاهدتُ منزلي يبتعد. رأيتُ أبي واقفًا في المدخل، جامدًا كتمثال. رأيتُ أمي ووجهها بين يديها، ثم ابتلع منحنى الطريق كل شيء. اختفت مونفيران لو با خلف الأشجار، ومعها وهم أنني ما زلتُ أتحكم بحياتي. أنتم الذين تستمعون إليّ الآن، أينما كنتم، قد تظنون أنني أبالغ أو أهذي، لكنني أقسم لكم بكل ما مررتُ به: لا توجد مأساة أعظم من الحقيقة المجردة.
وإذا تابعتني حتى النهاية، ستفهم لماذا كان ينبغي ألا تُنسى هذه القصة أبدًا.
استغرقت الرحلة ساعتين وأربعين دقيقة. أعرف ذلك لأني كنت أحصي كل منعطف، وكل توقف، وكل نفس. كانت هذه طريقتي لأبقى حاضرة الذهن، ولأتجنب الغرق في الخوف الذي كان يتصاعد كموجة باردة. كنا نمر بقرى عرفتها منذ طفولتي: سان لاندو، حيث نشأ جوليان؛ وفالراك، حيث دُفنت جدتي؛ ولا روش بلانش، حيث اشتريت أول شريط شعر لي. كل هذه الأماكن المألوفة أصبحت غريبة.
كانت الشوارع خالية، والنوافذ مغلقة، ولا وجوه على النوافذ، كما لو أن فرنسا بأكملها اختارت أن تُشيح بنظرها. سيلستين، الجالسة قبالتي، ضغطت على يدي بقوة حتى ابيضّت أصابعي. لم تكن تبكي. لم يكن أيٌّ منا يبكي. لقد ذرفنا الدموع قبل ذلك اليوم بوقت طويل. ما تبقى كان نوعًا من الاستسلام البارد، غريزة البقاء التي خنقت كل شيء آخر.
في لحظة ما، تمتمت مايلين بسؤال: “إلى أين يأخذوننا؟” لم يجب أحد لأن لا أحد كان يعلم، أو لأننا في أعماقنا كنا نعلم بالفعل، وكان التعبير عن هذا الواقع بالكلمات سيجعله لا يطاق.