أمضيتُ ستين عامًا أحاول محو تلك اللحظة من ذاكرتي، لكنها تعود دائمًا. الغرفة الباردة، ورائحة العفن الممزوجة بالعرق والخوف، ويداه تمسكان وجهي بحزم لا يقبل الرفض. وذلك السؤال المهموس، البطيء، المحسوب، كما لو كانت كل كلمة منه شفرة تُضغط على حلقي.

“هل تريد أن تعيش؟” في تلك اللحظة، وأنا بالكاد أبلغ العاشرة من عمري، أدركت أن بعض الأسئلة لا تنتظر إجابة، بل تتطلب استسلامًا. وأن البقاء على قيد الحياة في ذلك المكان لا يعني النصر، بل يعني قبول حقيقة أن جزءًا مني سيموت على أي حال، وأنني سأضطر إلى تحمل عبء هذا الخيار طوال حياتي.

اسمي إليونور فاسيلين. ولدت ونشأت في روان، المدينة التي كانت أجراس كاتدرائيتها تدق معلنة الوقت، والتي كان نهر السين يعكس واجهاتها القديمة كما لو كان يحرس أسرارًا لم يجرؤ أحد على كشفها. كانت والدتي تخيط للعائلات البرجوازية.

كان والدي يعمل في المحطة، يحمل الأمتعة ويصلح القضبان، ويعود إلى المنزل ويداه ملطختان بالشحم، لكن كرامته مصونة. كنا أناسًا بسطاء، لا يكترث بهم أصحاب السلطة، لكننا عشنا مرفوعي الرأس، مؤمنين بأن ذلك يكفي. عندما اندلعت الحرب في مايو، تغير كل شيء في غضون أيام.
دخل الألمان مدينة روان كموجة رمادية عاتية. سيطروا على الشوارع والمباني العامة والساحات التي كنت ألعب فيها طفلاً. رفعوا أعلاماً حمراء تحمل ذلك الصليب الأسود الملتوي الذي بدا وكأنه يمتص الألوان من كل ما حوله. فجأة، لم تعد المدينة التي عرفتها ملكي.
كانت الأصوات في الشوارع غريبة، والأوامر تُصرخ بالألمانية. وأصبحنا نحن الفرنسيين غرباء في وطننا. كنتُ في السادسة عشرة من عمري حين بدأ الاحتلال. كنتُ كبيرًا بما يكفي لأدرك الخطر، لكنني كنتُ صغيرًا جدًا لأعرف كيف أحمي نفسي منه. سرعان ما علمتني أمي قواعد البقاء الجديدة.
كنتُ أخفض عينيّ عندما يمرّ جندي، لا أردّ عليه بوقاحة، ولا ألفت الأنظار إليّ. كان الاختفاء حكمةً، والصمت استراتيجية. لكنني كنتُ صغيرة، والشباب لا يعرف كيف يختفي تمامًا. عملتُ سنتين أساعد أمي في الخياطة، وكنتُ أوصل الملابس إلى منازل يسكنها الآن ضباط ألمان.
رأيتُ كيف تأقلموا بسهولة مع حياتنا، وكأن فرنسا فندق فاخر تحت تصرفهم. تعلمتُ السير في الشوارع دون أن أُصدر صوتاً. تعلمتُ حفظ الوجوه. تعلمتُ أن للخوف ملمساً وحرارةً ووزناً. وتعلمتُ أن الكراهية التي تُبتلع كل يوم تُصبح حجراً في المعدة لا يذوب أبداً.
إذا كنت تستمع إلينا من بلد آخر، اترك تعليقًا وأخبرنا من أين تشاهدنا. إن معرفة أن هذه الكلمات تتجاوز الحدود تُذكّرنا بأن الذاكرة لا تنتمي إلى أي أمة، بل هي ملكٌ للإنسانية جمعاء. في أكتوبر/تشرين الأول عام ١٩٤٢، انهار كل شيء.
ليس بسبب قصف، ولا بسبب معركة، بل بسبب شيء أبسط بكثير وأكثر فتكًا: اتهام. نطق أحدهم باسمي، وأشار أحدهم إلى منزلي. همس أحدهم لضابط ألماني بأنني منخرط في المقاومة. كانت تلك الكذبة، أو تلك نصف الحقيقة، أو تلك الحقيقة المشوهة، كافية لاختفاء كل ما أعرفه في صباح واحد.
جاؤوا ليأخذوني عند الفجر. ما زلت أسمع صوت الأحذية وهي تصعد درجات السلم الخشبية لمبنى منزلنا. خطوات ثقيلة، منتظمة، غير متسرعة، كما لو كانوا يعلمون أنه لا مفر. استيقظت أمي قبلي. سمعتها تهمس بدعاء في المطبخ.
كان صوتها يرتجف بيأس، متوسلةً إلى إلهٍ بدا وكأنه قد تخلى عن فرنسا بأكملها. عندما اقتُحم الباب، لم تصرخ. بل ضغطت على يدي بقوةٍ شعرتُ معها بارتجاف أصابعها. دخل جندي ألماني شاب بنظرةٍ جامدة، ونادى باسمي كما لو كان يقرأ قائمة مشتريات: “إليونور فاسيلين، انهضي الآن”.
لم يمنحوني فرصةً لأودعهم. لم يسمحوا لي بأخذ أي شيء سوى ملابسي. حاولت أمي الكلام، لكن شرطيًا دفعها بقوةٍ إلى الحائط حتى ارتطم رأسها وسقطت. صرختُ. حاولتُ الوصول إليها، لكنهم جرّوني إلى أسفل الدرج وألقوا بي في شاحنةٍ مغطاةٍ حيث كانت نساءٌ أخرياتٌ متجمعاتٍ، جميعهنّ شاباتٌ، جميعهنّ مرعوبات.
لم يكن أحد منا يعلم إلى أين نُقتاد، لكننا جميعًا كنا نعلم أننا على الأرجح لن نعود. استمرت الرحلة لساعات، جالسين على أرضية معدنية باردة، بلا نوافذ ولا ضوء. لم نسمع سوى ضجيج المحرك ورائحة البول والقيء المنبعثة من أولئك الذين لم يستطيعوا كبح جماح يأسهم. فتاة بجانبي، لا يتجاوز عمرها خمسة عشر عامًا، كانت تبكي بلا انقطاع.
أردتُ أن أواسيها، لكنني لم أجد الكلمات لأنني كنت مرعوبًا أيضًا. كان قلبي يخفق بشدة حتى ظننتُ أنه سينفجر. كانت يداي تتعرقان، وحلقي يضيق، وفي رأسي سؤال واحد يتردد باستمرار: “ماذا سيفعلون بي؟” عندما توقفت الشاحنة أخيرًا، دُفعنا منها كالمواشي.
كان الليل قد حلّ. رأيت أضواءً ساطعة، وأسوارًا عالية من الأسلاك الشائكة، وأبراج مراقبة مزودة بأضواء كاشفة تجوب الأرض كعيون مفترس. ورأيت البوابة، بوابة حديدية ضخمة عليها حروف لم أستطع قراءتها في الظلام، لكنني اكتشفتها لاحقًا.
“العمل يحرر”. كانت هذه أولى الأكاذيب الكثيرة التي روجها لنا هذا المكان. اقتيدنا إلى حظيرة طائرات متجمدة، ومُزقت ملابسنا، وقُصّ شعرنا، واستُبدلت أسماؤنا بأرقام. بعد أن أصبحت السجينة رقم 10127، انتهى وجود إليونور فاسيلين رسميًا. لم أكن سوى جسد، مجرد وحدة، شيء يمكن التخلص منه.
في الأيام الأولى، ظلّ الأمل يحدوني. ظننتُ ربما أن هناك خطأً ما، وأن أحدهم سيأتي ليأخذني، وأن أمي ستجد طريقة لإخراجي من هناك. لكن ذلك الأمل سرعان ما تلاشى. تلاشى عندما رأيتُ ما يحدث لمن يُعتبرون أضعف من أن يعملوا.
مات حين سمعتُ الصرخات القادمة من المباني البعيدة. مات حين أدركتُ أن ذلك المكان لم يُبنَ ليُبقينا على قيد الحياة، بل بُني ليُفرغنا ببطء حتى لا يبقى منا شيء. كنا نعمل اثنتي عشرة، أو أربع عشرة، وأحيانًا ست عشرة ساعة في اليوم، نحمل الحجارة، ونحفر الحفر، ونُركّب قطعًا معدنية لم يُشرح لنا الغرض منها قط.
كان الطعام عبارة عن حساء رقيق من البطاطا المتعفنة. كان البرد ينخر في جلدنا كالشفرات، وكان الحراس يراقبوننا بمزيج من اللامبالاة والقسوة المفرطة، وهو أمر أشد رعباً من أي عنف صريح. لأننا، في نظرهم، لم نكن بشراً.
كنا مجرد أرقام، مشاكل، أشياء. لكن الأسوأ لم يكن الحراس العاديين؛ بل كان هو – القائد. ما زلت أرى وجهه عندما أغمض عيني. طويل القامة، أشقر، عيناه صافيتان كالثلج، يرتدي زياً أنيقاً لا تشوبه شائبة. كان يمشي في الميدان كما لو كان يتنزه في حديقة، هادئاً دائماً، متحكماً في نفسه دائماً، يراقب ويختار ويقرر من سيعيش يوماً آخر ومن لن يعيش.
كان صباح أحد أيام نوفمبر حين سمعتُ من ينادي رقمي. صوتٌ جافٌّ خالٍ من المشاعر انطلق من مكبر الصوت المعدني المثبت على جدار الثكنة. توقف قلبي للحظة. كان جميع السجناء يعرفون ما يعنيه ذلك. فالمناداة على شخصٍ بشكلٍ فردي لم تكن أبدًا علامةً جيدة.
كان ذلك يعني الاستجواب، أو العقاب، أو ما هو أسوأ. نهضتُ ببطء، ساقاي ترتجفان وأنفاسي متقطعة. نظرت إليّ النساء الأخريات بتلك النظرة التي رأيتها مرارًا وتكرارًا. مزيج من الشفقة والارتياح. شفقة لأنهن كنّ يعلمن ما ينتظرني. وارتياح لأنه لم يكن دورهنّ قد نُودي عليهنّ.
رافقوني عبر الحقل، بين ثكنات متراصة كأضرحة هندسية، إلى مبنى حجري لم أره من قبل عن قرب. كانت الجدران سميكة، والنوافذ صغيرة ومغلقة بقضبان. دفعني حارس إلى الداخل، إلى ممر ضيق تفوح منه رائحة العفن ورائحة أخرى – رائحة معدنية وعضوية في آن واحد، ربما دم جاف، أو خوف متأصل في الجدران.
اقتيدتُ إلى غرفة صغيرة في نهاية الممر. انغلق الباب خلفي بقوة، مُحدثًا دويًا مكتومًا هزّ عظامي، وهناك رأيته. هو، القائد، كان يجلس خلف مكتب خشبي داكن، ويداه متشابكتان أمامه، ونظراته مثبتة عليّ بنظرة حادة أرعبتني.
بقي صامتًا لما بدا وكأنه دهر. راقبني كما يراقب العالم عينة، كما يراقب الصياد فريسته الجريحة. ثم نهض ببطء. دار حول الطاولة. تردد صدى حذائه على الأرضية الحجرية. اقترب مني حتى شممت رائحة عطره ممزوجة برائحة جلد بزته العسكرية.
وضع يده تحت ذقني، رافعًا وجهي للأعلى، مجبرًا إياي على النظر في عينيه. كانت أصابعه باردة وقاسية، وصوته، حين تكلم أخيرًا، كان هادئًا، يكاد يكون لطيفًا، كما لو كان يُسدي لي معروفًا. سألني بالفرنسية: “هل تريدين أن تعيشي؟”
فرنسية فصيحة، بلا لكنة، كأنه درس لغتنا خصيصًا ليحطمنا بكلماتنا. “هل تريدين العيش يا إليونور؟” حاولتُ الإجابة، لكن لم يخرج من حلقي صوت. ارتجف جسدي كله، وكادت ركبتاي أن تخوناني، وفي رأسي، تكررت فكرة واحدة: “ما هي الإجابة الصحيحة؟ ماذا يريد أن يسمع؟” لأنني كنت أعلم، في تلك اللحظة بالذات، أن إجابتي ستحدد ما إذا كنت سأغادر تلك الغرفة حية أم سيُلقى بجسدي في المقبرة الجماعية خلف الحقل.
إلى جانب مئات آخرين ممن أجابوا إجابة خاطئة. ابتسم. ابتسامة باهتة، محسوبة، خالية من أي إنسانية. قال وهو يرفع يده عن وجهي ويجلس خلف مكتبه: “سأمنحك خيارًا. يمكنك أن تموت هنا، الآن، مثل أي شخص آخر. أو يمكنك أن تصبح نافعًا، تخدم، تطيع، وربما، فقط ربما، تنجو حتى نهاية هذه الحرب.”