تأثرتُ يوم أدركتُ أن ابني لم يعد يُنسب إليّ، وأن الأمومة نفسها، في ظل الاحتلال، يمكن أن تُصادر كما تُصادر الممتلكات. لم يكن الأمر يتعلق بفقدان حضانة أو قرار عائلي، بل بسياسة منهجية حوّلت الأجساد إلى أدوات، والأطفال إلى أصول تُسجَّل في دفاتر الدولة. قبل تلك الليلة من عام 1942، كانت إلسا مجرد فتاة تعيش في بلدة صغيرة في فرنسا المحتلة، حيث كان البقاء يعني تقليص الوجود إلى أدنى حد ممكن، وتجنب لفت الأنظار في زمن أصبحت فيه الرؤية خطرًا.

كان الناس يرتدون ألوانًا باهتة، يمشون بمحاذاة الجدران، ويتجنبون النظر في عيون الجنود. الاختفاء كان شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة. غير أن إلسا لم تستطع أن تختفي مهما حاولت. وُلدت بشعر بلون القمح الفاتح وعينين زرقاوين صافيتين، ملامح كانت، في سياق أيديولوجيا عنصرية، تُقرأ كعلامات “قيمة”. كانت أمها تمشط شعرها ليلاً وتهمس لها بتحذيرات، تطلب منها أن تغطيه، أن تخفض بصرها، وأن تتجنب أي احتكاك قد يجرّ عليها الأذى. كانت تخشى العنف الذي تعرفه النساء جيدًا، لكنها لم تتخيل نوعًا آخر من الخطر: خطر “الاختيار”.

في صباح ثلاثاء هادئ، دخلت سيارة سوداء تحمل شارة قوات الأمن الخاصة إلى ساحة السوق. لم تكن هناك صرخات ولا إطلاق نار، فقط رجلان بملفات وأحذية لامعة. بعد اجتماع في البلدية، طرق العمدة باب منزل إلسا بيدين مرتجفتين. أبلغ العائلة بأن “بعض النساء” طُلب منهن الحضور لإجراء “فحص طبي”. كانت الكلمات منمقة ومحايدة، تخفي خلفها عنف الانتقاء البيولوجي. لم يكن الرفض خيارًا حقيقيًا في ظل الاحتلال، فالعصيان قد يعني الاختفاء القسري أو العقاب الجماعي.

أمام مبنى البلدية، وقفت فتيات البلدة في صفوف مرتبكة. بعضهن ارتجفن، وأخريات بدت عليهن علامات الحيرة، فيما وقفت قلة منهن باعتداد ظنًا منهن أن الأمر تكريم. بدأ الفحص بقياسات للجمجمة، وتدقيق في لون العينين، ورفع الشعر بالقفازات. كان المشهد أقرب إلى سوق مواشٍ منه إلى عيادة. عندما جاء دور إلسا، أمسك الضابط بذقنها ووجّه وجهها نحو الضوء. تمتم بعبارة قصيرة ودوّن ملاحظة في دفتره. لم يكن الأمر إعجابًا، بل تصنيفًا.
بعد أسبوع، أُخرجت من منزلها. قيل لوالدتها إن ذلك “واجب وشرف”، لكنها أدركت أن ابنتها تُنتزع منها باسم دولة لا ترى في البشر سوى موارد. نُقلت إلسا إلى منشأة خارج المدينة، خلف بوابات حديدية وحدائق مشذبة بعناية توحي بالهدوء. كان المكان نظيفًا على نحو مبالغ فيه، الجدران بيضاء والأرضيات مصقولة، والموظفات يرتدين زيًا رسميًا ويتحدثن ببرود مهني. هناك أُبلغت بأنها اختيرت بسبب “قيمتها العرقية”، وأن دورها هو إنجاب أطفال يقوّون مستقبل الرايخ.
لم تُعامل كزوجة ولا كأم مستقبلية، بل كوعاء بيولوجي لمشروع أيديولوجي. الضباط الذين جرى اختيارهم “للآباء” حضروا وفق جداول محددة. لم يكن هناك صراخ أو ضرب، بل التزام صامت أقسى من العنف الصريح. الإكراه اتخذ شكل النظام والروتين، ما جعل مقاومته أكثر تعقيدًا. أقنعت إلسا نفسها بأنها تبقى على قيد الحياة، وأن النجاة، مهما كانت مشروطة، تظل هدفًا.
بعد أشهر، تأكد حملها. للحظة قصيرة، استيقظ داخلها شعور بالحماية، إحساس بأن هذا الجنين جزء منها، امتداد لاسمها وجسدها وتحديها الصامت. لكن المؤسسة لم تحتفل، بل سجّلت. خضعت لفحوص دورية، وارتفعت حصصها الغذائية، ودوّنت البيانات بعناية. كان الطفل يُناقش بوصفه “ملكية” للدولة، مشروعًا مستقبليًا لا علاقة له بأمومته.
في الشهر السابع، دخل ضابط غرفتها، نظر إلى بطنها كما لو كان يقيّم حمولة. قال بنبرة إدارية هادئة إن الطفل “ينتمي إلى الرايخ”، لا إلى أمّه ولا إلى عائلتها ولا إلى اسمها. كانت الجملة باردة ومكتبية، لكنها مزّقت شيئًا عميقًا في داخلها. لم يكن الأمر تهديدًا، بل إعلان ملكية.
عند الولادة، وُضع الطفل في ذراعيها لدقائق معدودة. حفظت ملامحه، ملمس بشرته، شكل أصابعه الصغيرة. حاولت تخزين كل تفصيل في ذاكرتها كما لو كانت تدرك أن الذاكرة ستصبح لاحقًا الملاذ الوحيد. ثم أُخذ “للتقييم”، مصطلح إداري يُخفي قرار الفصل. لم يعد.
بعد أسابيع، سُرّحت وعادت إلى بلدتها، حاملة فراغًا لا يُرى. لم يفهم أهل البلدة ما حدث. بعضهم اتهمها بالتعاون، وآخرون همسوا بتهم أشد. الشائعات كانت أسهل من مواجهة حقيقة برامج تُذيب الحدود بين الضحية والمُستغل. لم يعلموا أن أعظم سرقة لم تكن جسدها، بل ابنها.
سنوات طويلة قضتها تبحث في دور الأيتام وسجلات التبني والأرشيفات العسكرية. كل طلب استفسار كان ينتهي بصمت أو إجابات مبهمة. الأنظمة التي تعيد توزيع الأطفال نادرًا ما تترك أثرًا واضحًا لاختفائهم. كانت الوثائق تُدار بلغة بيروقراطية تُجرد القصص من عاطفتها، وتحول الفقد إلى رقم.
تكشف هذه القصة جانبًا أقل تداولًا من سياسات الحقبة النازية، حيث لم يقتصر العنف على الإبادة والسجن، بل شمل برامج منظمة لإعادة تشكيل المجتمع عبر التحكم بالإنجاب. اعتقدت الأيديولوجيا أنها قادرة على فصل الهوية عن الأصل، وأن الدم يمكن تصنيفه وإعادة تخصيصه. افترضت أن الهدوء الإداري يمكن أن يُسكت مطالبة الأم.
اليوم، وقد تقدمت إلسا في العمر، لم تعد ملامحها تثير الانتباه كما في شبابها، لكن العبارة التي سمعتها آنذاك لا تزال تتردد في ذاكرتها. التاريخ يسجل السياسات والخطط، لكنه نادرًا ما يوثق الصمت الذي يعقب سرير طفل يبقى فارغًا. سقط النظام وتهاوت رموزه، غير أن بعض نتائجه بقيت كامنة في حياة أفراد لا يمكن تعويض خساراتهم.
ربما انهار المشروع السياسي، لكن أثره استمر في سيرة امرأة سُلب منها حق طبيعي لا ينبغي أن يخضع للملكية. فالزمن لا يعيد ما تقرر الأيديولوجيا مصادرته، ولا توجد محكمة قادرة على إعادة سنوات من الانفصال أو محو ذكرى لحظة وُضع فيها طفل في ذراعي أمه للمرة الأخيرة. في تلك الفجوة بين القانون والعدالة، تعيش قصة أمومة انتُزعت باسم دولة ادعت حقها في تحديد من ينتمي إلى من.