في عام 2005، وعندما بلغت نينا ستيبانوفا الثمانين من عمرها، قررت أخيرًا أن تكسر صمتًا حملته في قلبها اثنين وستين عامًا. بالنسبة لأحفادها، لم تكن سوى الجدة نينا — المرأة الهادئة التي تخبز فطائر الملفوف وتجلس قرب النافذة لساعات طويلة تحدق في الفراغ. لم يعرفوا أبدًا الفتاة التي كانتها يومًا، ولم يعرفوا ما حدث في شتاء عام 1943، حين ابتلع الاحتلال الألماني طفولتها في بيلاروسيا المحتلة.كانت في الثامنة عشرة عندما دخلت الشاحنات العسكرية الألمانية قريتها الصغيرة.

قبل ذلك اليوم، كان عالمها بسيطًا ودافئًا — منزل خشبي تفوح منه رائحة الخبز والأعشاب المجففة، أب نجار بيدين خشنَتين لكنهما حنونتان، وأم تربط وشاحًا مزهرًا حول شعر ابنتها في ذلك الربيع وتبتسم بفخر. كانت نينا تحلم بالرقص، بالحب، بحياة عادية مليئة بالأمل. لم تكن تتخيل أن كل ذلك يمكن أن يتلاشى في لحظة واحدة.ثم جاءت أصوات المحركات.

اقتحم الجنود بزيهم الرمادي القرية بعنف. تحطمت الأبواب، وتعالت صرخات الجيران، وبكى الأطفال في الأزقة الضيقة. سُحب والدها إلى الخارج دون رحمة. وحين حاولت أمها حمايتها، ضُربت بقسوة حتى سقطت أرضًا. أمسكت يد خشنة بذقن نينا ورفعت وجهها نحو الضوء كما لو كانت بضاعة تُفحص في سوق. في تلك اللحظة، تعلمت أول كلمة ألمانية في حياتها — كلمة كانت أمرًا، وكانت بداية الفقدان.لم ترَ عائلتها مرة أخرى.

وُضعت في شاحنة مغطاة مع فتيات أخريات من القرية والقرى المجاورة. التصقت أجسادهن بجدران معدنية باردة، وارتجفت الشاحنة فوق الطرق الوعرة متجهة نحو مصير مجهول. همست إحدى الفتيات، زينا، بصوت مرتجف بأنهن ذاهبات إلى الموت. لم تجد نينا جوابًا. لم تكن تعرف إن كان الموت سيكون أهون من المجهول.
وصلن إلى معسكر تحيط به الأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة. كان الهواء مشبعًا برائحة دخان كثيف وشيء آخر حلو لزج يعلق في الحلق. حُلقت رؤوسهن، وأُعطيت لكل واحدة رقم بدل اسمها. أُجبرن على العمل حتى نزفت أيديهن. كان الجوع يحفر وجوههن، والتيفوس يفتك بالضعيفات. من كانت تسقط أثناء الطابور الصباحي تُسحب بعيدًا كما تُسحب أداة مكسورة.
لكن الجوع لم يكن أسوأ ما في الأمر.في الليل، كان الضباط يدخلون الثكنات ليختاروا.الأصغر سنًا. الأقوى جسدًا. اللواتي لا تزال عيونهن تحمل شرارة حياة.كان الصمت يهبط على المكان ككفن. كانت الفتيات يلطخن وجوههن بالتراب ليبدون أكبر سنًا أو أكثر مرضًا، علّهن يصبحن غير مرئيات. بعض من أُخذن كنّ يعدن مع الفجر بعيون فارغة لا تعكس شيئًا. وأخريات لم يعدن أبدًا.
ذات مساء، دخل ضابط جديد.كان طويل القامة، أنيق المظهر، هادئًا على نحو غير مألوف. لم يكن يضحك بسخرية مثل الآخرين، ولم تكن في عينيه تلك النظرة الفجة. وقف يتفحص الوجوه واحدًا واحدًا، كما لو كان يبحث عن شيء أعمق من الجسد. احتبست الأنفاس في الثكنة.
توقف أمام نينا.قال بصوت منخفض: ارفعي رأسك.رفعت رأسها ببطء، وقلبها يخفق بعنف. لعشر ثوانٍ طويلة حدّق في عينيها. ثم أشار إليها.تعالي معي.امتلأت الغرفة بنظرات شفقة وارتياح — ارتياح لأن الاختيار لم يقع عليهن. أما نينا فسارت نحو الباب وهي تظن أنها تسير نحو المذبحة.ما حدث بعد تلك الليلة قسّم حياتها إلى قسمين: ما قبل وما بعد.
لم يُدخلها إلى غرفة التعذيب كما توقعت. أخذها إلى مكتب صغير مضاء بمصباح يتدلى من السقف. طلب منها أن تجلس. كان يتحدث الروسية بلكنة ثقيلة. سألها عن اسمها الحقيقي، عن عمرها، عن عائلتها. لم تجب في البداية. ظنت أن الأمر خدعة. لكنه لم يصرخ، ولم يلمسها. أعطاها قطعة خبز — أول قطعة كاملة تراها منذ شهور.
قال لها إنها ستعمل في المطبخ الملحق بمقر الضباط. لم تفهم السبب. ربما رأى في عينيها شيئًا ذكّره بشيء مفقود في حياته. ربما كان دافعه براغماتيًا بحتًا؛ كانت تحتاج الأيدي العاملة. لم تسأله، ولم يشرح.
نُقلت من الثكنة إلى مبنى آخر. كان العمل شاقًا، لكنه أنقذها من ليالي الاختيار المرعبة. كانت تنظف، وتقطع الخضروات، وتحمل قدورًا ثقيلة. أحيانًا كانت تحصل على بقايا طعام تهربها سرًا إلى بعض الفتيات في المعسكر. كانت تعلم أن اكتشاف أمرها قد يعني الإعدام.
لم يكن الضابط ملاكًا. كان جزءًا من آلة احتلال قاسية. كانت ترى الخرائط العسكرية على مكتبه، وتسمع أوامر النقل والإعدامات. كانت تدرك أن بقائها على قيد الحياة مرتبط بسلطته. العلاقة بينهما لم تكن صداقة، ولم تكن رحمة خالصة. كانت مساحة رمادية في زمن أسود.في إحدى الليالي، سألها إن كانت تكرهه. لم تجب. كانت تكرهه وتخافه وتعتمد عليه في آن واحد. كان تناقضًا يفوق قدرتها على الفهم. كل ما عرفته أنها تريد أن تعيش.
استمر ذلك الوضع أشهرًا. في عام 1944، ومع تقدم الجيش السوفيتي، بدأ الارتباك يعم المعسكر. أُحرقت الوثائق، وأُعدم بعض السجناء لإخفاء الأدلة. في تلك الفوضى، فتح الضابط باب المخزن حيث كانت تعمل، وقال لها أن تهرب. أعطاها معطفًا قديمًا واتجاهًا تسلكه في الغابة.لم تسأله لماذا.
ركضت حتى تمزقت قدماها. اختبأت بين الأشجار أيامًا، تتغذى على الجذور والماء. في النهاية، عثرت عليها وحدة استطلاع سوفيتية. حين رأت النجمة الحمراء على قبعاتهم، انهارت باكية.لكن العودة لم تكن سهلة.
عادت إلى قريتها لتجدها رمادًا. لم تجد أثرًا لوالديها. بعد الحرب، لم يكن الحديث عن المعسكرات سهلًا، خاصة لمن بقين على قيد الحياة في ظروف معقدة. كان هناك شك دائم، همسات عن “التعاون” لمجرد أنها نجت. اختارت الصمت.
تزوجت في أواخر الأربعينيات، وأنجبت أطفالًا، وعاشت حياة تبدو طبيعية. كانت تخبز، وتغني أحيانًا، لكنها كانت تستيقظ ليلًا على أصوات محركات غير موجودة. لم تخبر زوجها بكل شيء. لم تخبر أبناءها. كان الماضي صندوقًا مغلقًا بإحكام.
في عام 2005، بعد وفاة معظم جيلها، شعرت أن الوقت حان. جمعت أحفادها حول الطاولة نفسها التي طالما وضعت عليها فطائرها. قالت لهم إن الحرب ليست بطولات فقط، بل مناطق ظل لا يفهمها إلا من عاشها. أخبرتهم عن القرية، عن الشاحنة، عن المعسكر، وعن الضابط الذي أنقذ حياتها وهو في الوقت نفسه جزء من المأساة.
لم تبرره، ولم تمجّده. قالت إن البشر في الحروب يصبحون أكثر تعقيدًا مما تسمح به الكلمات البسيطة مثل “خير” و“شر”. قالت إنها عاشت لأنها اختارت أن تتمسك بالحياة، حتى حين بدا ذلك مستحيلًا.حين انتهت، كان الصمت يملأ الغرفة. لكن ذلك الصمت كان مختلفًا عن صمتها الطويل. كان صمت فهم، لا صمت خوف.
بعد ستة عقود من الكتمان، استعادت نينا اسمها من الرقم الذي فُرض عليها. لم تعد مجرد جدة هادئة خلف نافذة، بل شاهدة على زمن حاول أن يمحو إنسانيتها وفشل. قصتها لم تكن فقط عن النجاة، بل عن الثمن النفسي للنجاة، وعن الشجاعة المتأخرة التي احتاجتها لتقول الحقيقة.
وهكذا، في شيخوختها، لم تكسر نينا صمتها فحسب — بل كسرت أيضًا السلسلة التي قيّدتها بالماضي، ومنحت أحفادها إرثًا أثقل من أي وصفة خبز: إرث الذاكرة.