عندما جرّني الجنود الألمان من المنزل في تلك الليلة من شهر مارس عام ١٩٤٤، كنتُ حاملاً في الأسبوع الثالث والثلاثين. كان ابني يتحرك كثيراً لدرجة أنني بالكاد أستطيع النوم. كان يركلني في أضلاعي كما لو كان يريد أن يولد الآن، كما لو كان يعلم أن شيئاً فظيعاً على وشك الحدوث. لم أكن أعلم ذلك بعد، لكنه
كان محقاً. ما فعلوه بي قبل الولادة لا اسم له في أي لغة أعرفها، وما فعلوه بعد ذلك كان أسوأ. لم يأخذوني وحدي؛ كنا سبعة عشر شخصاً تلك الليلة. جميعنا شابات، جميعنا جميلات بما يكفي لجذب الأنظار.خمس منهن كنّ حوامل مثلي؛ أما الباقيات فكنّ عذارى، أو مخطوبات، أو أمهات شابات. تم اختيارنا كما تُختار الفاكهة في السوق.

كانوا يطوفون البيوت حاملين قوائم، قوائم تحوي أسماءنا. كان ذلك يعني أن أحدًا من قريتنا قد خاننا. شخص نعرفه، شخص يجلس في المطبخ يحتسي قهوته. كنت أعيش في تول، وهي بلدة عمالية في وسط فرنسا تشتهر بمصانع الأسلحة. كان والدي يعمل في المصنع، وكانت والدتي تخيط الزي العسكري للجيش الألماني تحت الاحتلال القسري. تعلمنا أن نخفض أبصارنا عندما يمر الجنود، وألا نرد عليهم عندما يتحدثون إلينا، وأن نتظاهر بأننا غير موجودين. لكن في تلك الليلة، لم يكن التظاهر كافيًا.

حاول هنري، حبيبي، حمايتي. ألقى بنفسه أمام الجندي الذي كان يسحبني نحو الباب. سمعت صوت مؤخرة البندقية تضرب رأسه قبل أن أرى الدم، ثم ساد الصمت. كانت أمي تصرخ، وأبي ثابتًا، يداه مرفوعتان ترتجفان. استدرت للمرة الأخيرة قبل أن يُدفع بي إلى الشاحنة. رأيت منزلي، رأيت نافذة غرفتي وملابس طفلي مطوية على الخزانة. شاهدت حياتي كلها تتلاشى بينما ابتلع محرك الشاحنة أي أمل في العودة.
داخل الشاحنة، كنا سبعة عشر شخصًا، مكتظين. بعضنا يبكي، والبعض الآخر في حالة صدمة. تقيأت فتاة في السادسة عشرة من عمرها على قدميّ. ضغطتُ على بطني بكلتا يديّ ودعوتُ الله ألا يولد ابني هناك، في الظلام، بين غرباء مرعوبين. لم نكن نعرف إلى أين نحن ذاهبون، ولم نكن نعرف لماذا. كل ما كنا نعرفه هو أن النساء عندما يختطفهن الألمان في جنح الظلام، فإنهن عادةً لا يعدن كما كنّ. استغرقت الرحلة ساعات. عندما توقفت الشاحنة أخيرًا، سمعتُ أصواتًا باللغة الألمانية من الخارج، أوامر قصيرة وحادة. سُحبت الخيمة، وأبهرنا ضوء الفوانيس.
أُجبرنا على الخروج. تعثّر بعضنا، وكدتُ أسقط لولا أن أمسكت يدٌ بمرفقي. لم يكن ذلك من باب المجاملة، بل من باب الكفاءة. كانوا يريدوننا أن نصل سالمين. كنا في معسكر عمل على مشارف تول. كنتُ أعرف المكان قبل الحرب؛ فقد كان مزرعة. أما الآن، فكانت هناك أسوار من الأسلاك الشائكة، وأبراج مراقبة، وأكواخ خشبية متداعية، ورائحة المجاري واللحم المحترق. كانت هناك نساء أخريات: فرنسيات، وبولندية، وواحدة روسية. جميعهن شابات، وجميعهن يحملن تلك النظرة الشاردة التي لم أفهمها إلا لاحقًا، نظرة من لا يتوقعن شيئًا آخر.
إذا كنت تستمع إليّ الآن، فقد تظن أن هذه مجرد قصة حرب أخرى، حكاية حزينة أخرى ستنتهي بعبرة مُريحة. لكن الأمر ليس كذلك، لأن ما حدث في الأسابيع التي تلت ذلك لا يُقدم أي عزاء. وإذا كنت تظن أنك سمعت قصصًا أسوأ، فأؤكد لك أنك لم تسمع قصتي بعد.
في الليلة الأولى، فُصلنا. نُقلت النساء الحوامل إلى ثكنة أخرى. قالوا إننا سنتلقى رعاية خاصة. شعرتُ براحة خاطفة للحظة. لحظة فقط، لأنه عندما أُغلق باب تلك الثكنة خلفنا، أدركتُ أنه لا يوجد سرير ولا غطاء. لم يكن هناك سوى ضابط ألماني طويل القامة، ذو عينين فاتحتين، يدخن سيجارة ويراقبنا كما لو كنا ماشية. كان يتحدث الفرنسية بطلاقة وبدون لكنة. بطريقة ما، كان هذا أسوأ؛ فقد كان يعني أنه يفهم كل كلمة نقولها، كل توسل، كل صرخة، ولكنه اختار تجاهلها.
سار ببطء بيننا نحن الخمسة، يتوقف عند كل بطن، يلمسها بأطراف أصابعه كما لو كان يختبر نضج ثمرة. عندما وصل إليّ، توقف. وقف هناك بلا حراك، يحدق بي. لم أُحوّل نظري عنه. لا أعرف لماذا، ربما بدافع الكبرياء، أو ربما بدافع التحدي، أو ربما ببساطة بدافع الخوف الشديد. ابتسم. لم تكن ابتسامة لطيفة؛ بل كانت ابتسامة من انتصر للتو. أشار إليّ وقال كلمة بالألمانية للجندي الذي بجانبه. أمسك الجندي بذراعي واقتادني إلى الخارج. بقي الأربعة الآخرون في الثكنات. سمعت صراخهم حتى قبل أن أغادرها. إلى يومنا هذا، لا أعرف ما حدث لهم تلك الليلة.
لا أعرف إن كان مصيرهم أفضل أم أسوأ من مصيري.
نُقلتُ إلى مبنى آخر، أصغر حجمًا وأنظف. كان فيه سرير وحمام ونافذة بستارة. وللحظة جنون، ظننتُ أنني ربما، وربما فقط، سأنجو، وأنه اختارني لأحميه، وأن بطني المنتفخ والجنين الذي بداخلي سيكونان درعًا كافيًا. كنتُ صغيرة، ساذجة، وما زلتُ أعتقد أن الوحوش تحترم الحدود.
دخل الغرفة بعد ساعتين. أغلق الباب. خلع سترته ببطء، وطواها بعناية على الكرسي. أشعل سيجارة أخرى. نظر إليّ. كنت جالسة على السرير، يداي على بطني، أحاول أن أتقلص. اقترب وجلس بجانبي. وضع يده على وجهي؛ كانت راحة يده دافئة، وتفوح من أصابعه رائحة التبغ والمعدن. قال بالفرنسية الفصحى: “أنتِ جميلة. سيولد طفلكِ هنا، تحت رعايتي. ستشكرينني على هذا.” لم أشكره، لا في تلك الليلة، ولا طوال الليالي السبع والعشرين التالية.
إذا كنت تستمع إلى هذه القصة الآن، أينما كنت في العالم، فاعلم أن كل كلمة أقولها حقيقية. كل تفصيل، كل رعب. وإن كان في داخلك ما يدفعك للتوقف عن الاستماع، فأنا أتفهم ذلك. لكنني لم أستطع التوقف عن الحياة، لذا أرجوك لا تتوقف عن الاستماع. اترك تعليقًا هنا، وأخبرني من أين أنت لأعلم أنني لست وحدي، وليعلم من لم ينجوا أن هناك من لا يزال يشهد.
في الليالي الأولى، كان يراقبني فقط. كان يجلس على كرسي في زاوية الغرفة، يدخن، ويسألني أسئلة: اسمي، عمري، كم عمري، هل أنا ولد أم بنت. كنت أجيب بصوت منخفض، أخشى أن أي كلمة خاطئة قد تكلفني حياتي. بدا راضيًا. قال إنني مهذبة، وأنني أفهم كيف تسير الأمور هناك. في الليلة الخامسة، لمس بطني ببطء، كما لو كان له الحق في ذلك. شعر بركلة ابني وأطلق ضحكة قصيرة، تكاد تكون طفولية. قال: “قوي، سيكون مقاتلًا”. عضضت شفتي حتى سال الدم لأمنع نفسي من الصراخ، لأمنع نفسي من دفع يده بعيدًا، لأنني كنت أعرف أنني إذا قاومت، فلن يؤذيني، بل سيؤذي الطفل.
في الليلة العاشرة، اغتصبني للمرة الأولى. بحذرٍ وببطء، كما لو كان يُسدي لي معروفًا، كما لو أن بطني المنتفخ مجرد عائق تقني يمكنه تجاوزه. قلبني على جانبي، وأمسك بي من وركيّ، وبينما يفعل ذلك، همس في أذني ألا أخاف، وأنه لن يؤذي الطفل، وأنه يحبني. بعد ذلك، نام في سريري. بقيت مستيقظة، أحدق في السقف، أشعر بحركة ابني، وأتساءل إن كان يشعر بما يحدث، إن كان يعلم أن أمه تُدمر بينما يكبر.
تداخلت الأيام. توقفت عن العد؛ أصبحت أقيس الوقت بطريقة مختلفة: كم مرة جاء ليلاً، كم مرة ركلني ابني بعدها، كم مرة فكرت في هنري وتساءلت إن كان لا يزال على قيد الحياة، إن كان يبحث عني، إن كان يعلم أنني آخذ ابننا إلى جحيم لا يمكنه حتى تخيله. كان اسم القائد شتورمبانفوهرر كلاوس ريختر. عرفت اسمه لأنه كان يكرره، يريدني أن أنطقه بشكل صحيح، باحترام، كما لو كنا عاشقين لا سجانًا وسجينًا. كان في الثامنة والثلاثين من عمره، متزوجًا، ولديه ثلاثة أطفال في بافاريا. أراني صورهم: ولدان أشقران وفتاة، يبتسمون، يرتدون أزياءً تقليدية. قال إنه يحبهم، وإنه يفتقدهم.