كان لا بد من تحضير الألواح الزجاجية بعناية، وكانت أوقات التعريض طويلة، وتطلبت عملية التحميض دقة جراحية تقريبًا.بعد التقاط الصورة، عادت بيا إلى غرفة التحميض الخاصة بها لتظهير اللوحة.ما ظهر على الفيلم السلبي أصابه بالحيرة التامة.بدلاً من إظهار صورة مشوهة – كما هو الحال غالباً مع الصور السلبية الفوتوغرافية – أصبح وجه الشخصية أكثر وضوحاً وتحديداً، وطبيعياً بشكل مدهش.

بدت ملامح الوجه واللحية والجروح وكأنها تكتسب عمقاً.كان الأمر كما لو أن الصورة على القماش كانت معكوسة بالفعل.لقد غيّرت تلك الملاحظة مسار النقاش.بدأ الكثيرون يتساءلون كيف استطاع شخص ما في العصور الوسطى أن يبتكر صورة لا تكشف عن شكلها الكامل إلا عند عكسها فوتوغرافياً، وذلك قبل قرون من وجود التصوير الفوتوغرافي.لكن ذلك الاكتشاف لم يكن سوى البداية.
بعد أكثر من قرن من الزمان، أتاحت الأدوات العلمية الجديدة تحليل النسيج بدقة لم تكن ممكنة في العصور السابقة.في عام 2015، بدأ باحثون من جامعة بادوا دراسة جينية بهدف فحص الجسيمات المجهرية المحتجزة في ألياف الكتان.بدت الفكرة بسيطة: إذا تم تصنيع النسيج في أوروبا خلال العصور الوسطى، فإن معظم الآثار الجينية يجب أن تتوافق مع السكان الأوروبيين.لكن النتائج كانت غير متوقعة.

حدد الباحثون مؤشرات مرتبطة بسكان من الشرق الأوسط وأوروبا وشمال إفريقيا وشبه القارة الهندية وحتى شرق آسيا.بدلاً من أصل واضح، بدا أن النسيج يحتوي على نوع من الفسيفساء الجينية العالمية.بالنسبة لبعض العلماء، فإن التفسير بسيط نسبياً.لقد حظي هذا النسيج بالتبجيل لقرون من قبل آلاف الأشخاص.كل اتصال بشري – كل لمسة، كل جزيء من الجلد، كل قطرة مجهرية من اللعاب – يمكن أن يترك آثارًا من الحمض النووي.
لكن باحثين آخرين يشيرون إلى أن التوزيع الجيني يتزامن بشكل مثير للدهشة مع طرق التجارة والطرق الدينية القديمة التي ربطت بين القدس والرها والقسطنطينية.إذا كانت اللوحة قد سافرت بالفعل عبر تلك الأماكن لقرون، فمن الممكن أن تكون كل مرحلة من مراحل الرحلة قد تركت أثراً مجهرياً على أليافها.إلى جانب الحمض النووي، لفت عنصر مجهري آخر انتباه الباحثين: حبوب اللقاح.
قام متخصصون في علم النبات بتحليل الحبيبات الصغيرة العالقة بين الخيوط.تم تحديد عشرات الأنواع المختلفة.يتوافق الكثير منها مع النباتات الشائعة في أوروبا، وهو ما يتوافق مع حقيقة أن النسيج ظل موجودًا في تلك القارة لقرون.لكن بعض الأنواع أثبتت أنها أكثر إثارة للدهشة.تنتمي بعض حبوب اللقاح إلى نباتات تنمو في المناطق القاحلة في الشرق الأوسط، بما في ذلك المناطق القريبة من القدس.
ومن بينها ذُكر نبات صحراوي شائك يزهر في الربيع، وقد تم اكتشاف وجوده بشكل خاص بالقرب من المنطقة التي يظهر فيها رأس الشكل.لفت هذا التفصيل الانتباه لأن تاج الشوك مذكور في التقاليد المسيحية.ومع ذلك، يشير النقاد إلى أن حبوب اللقاح يمكن أن تنتقل لمسافات طويلة محمولة بالرياح أو تلتصق بالأشياء لقرون من الحركة.
لكن اللغز لا ينتهي عند هذا الحد.كما كانت البقع الحمراء الظاهرة على القماش موضوعاً للعديد من الدراسات.لسنوات، ادعى بعض الباحثين أنها قد تكون أصباغاً تستخدم لأغراض فنية.لكن التحليلات الأحدث باستخدام التحليل الطيفي والمجهر المتقدم كشفت عن مكونات تتوافق مع دم الإنسان.بل إن بعض الدراسات أشارت إلى أنه قد ينتمي إلى فصيلة الدم AB.
بالإضافة إلى ذلك، تم تحديد المركبات الكيميائية المرتبطة بحالات الصدمات الجسدية الشديدة.كما تم فحص العلامات الموجودة على الجسم والمصورة على القماش من وجهة نظر الطب الشرعي.توجد علامات تذكرنا بجروح الجلد وثقوب الرسغ، وهو وضع يعتبره بعض الخبراء أكثر اتساقًا مع أساليب الصلب الرومانية من التمثيل التقليدي على راحتي اليدين.
ومع ذلك، ظهرت أقوى حجة ضد الأصالة في عام 1988.في ذلك العام، قامت ثلاثة مختبرات – أكسفورد وزيورخ وأريزونا – بإجراء تأريخ الكربون 14 للأنسجة.وقد أظهرت النتائج أن النسيج يعود إلى الفترة ما بين عامي 1260 و 1390، أي في منتصف العصور الوسطى.بالنسبة للعديد من العلماء، بدت تلك النتيجة وكأنها تغلق القضية بشكل نهائي.

لكن مع مرور الوقت، ظهرت انتقادات جديدة.اقترح بعض الباحثين أن العينة التي تم تحليلها ربما تكون قد أتت من منطقة تم ترميمها في العصور الوسطى، حيث تم خلط ألياف القطن مع الكتان الأصلي.وقد حاولت الدراسات اللاحقة تحليل شيخوخة السليلوز في ألياف الكتان لتقدير عمرها.
أشارت دراسة نُشرت عام 2022 إلى أن تدهور المادة قد يكون متوافقًا مع عمر أقدم بكثير.ومع ذلك، لا تزال هذه الأساليب تثير الجدل وتحتاج إلى تأكيد مستقل.وفي الوقت نفسه، يبقى السؤال الأكثر إثارة للاهتمام كما هو: كيف تشكلت الصورة؟على المستوى المجهري، يؤثر التلوين فقط على الطبقة الخارجية من ألياف الكتان، بعمق رقيق للغاية.لا تظهر أي آثار لفرشاة الرسم أو تراكمات واضحة للصبغة.
علاوة على ذلك، اكتشفت الدراسات التي أجريت في السبعينيات أن شدة الصورة تبدو مرتبطة بالمسافة بين الجسم والنسيج، مما يؤدي إلى توليد معلومات ثلاثية الأبعاد.وقد ثبت أن إعادة إنتاج هذا التأثير أمر صعب بشكل مفاجئ.تم اختبار طرق تستخدم الحرارة والتفاعلات الكيميائية وحتى الإشعاع المتحكم فيه.لم ينجح أي منها في محاكاة جميع خصائص الصورة الأصلية.بعد أكثر من قرن من التحليل العلمي، لا يزال كفن تورينو يحتل مكانة غريبة بين المختبر والإيمان.
بالنسبة لبعض الباحثين، فهو عملٌ من العصور الوسطى يتميز ببراعة استثنائية، ولا نزال لا نفهم آليته بشكل كامل.بالنسبة للبعض الآخر، قد يكون هذا الشيء أقدم بكثير، وقد طُمست تاريخه جزئياً بفعل قرون من السفر والحرائق وعمليات الترميم.ولعل الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن كلا الاحتمالين هائلان.لو كان النسيج مزيفاً من العصور الوسطى، لكان عملاً سابقاً لعصره بطريقة شبه مستحيلة.
لكن إذا كان تاريخها يعود بالفعل إلى القرن الأول، فقد تكون واحدة من أكثر الآثار التاريخية إثارة للإعجاب التي تم الحفاظ عليها على الإطلاق.في الوقت الراهن، يبقى اللغز قائماً.ولعل هذا هو السبب في أن قطعة بسيطة من الكتان، بعد قرون، لا تزال تثير تساؤلات لم يستطع الإيمان ولا العلم الإجابة عليها بشكل كامل.