ما كان ينبغي لأحد أن يعلم. كان سرًا مدفونًا في الطين الأحمر وظلال الجبال. قصة همست بها الرياح بين أشجار الصنوبر. بقي السر خفيًا لأكثر من مئتي عام، حتى الآن. هناك صور فوتوغرافية، كما ترى، صور بالأبيض والأسود تبدو وكأنها تحدق بك.

صورٌ، بحسب بعض الأطباء، يجب حرقها، ليس فقط حفاظًا على كرامة الإنسان، بل أيضًا حفاظًا على سلامة عقل البشرية. في ركنٍ منسيٍّ من ريف فرجينيا، عام ١٩٧١، أنجبت فتاةٌ في السابعة عشرة من عمرها شيئًا خالف كل قوانين علم الأحياء المعروفة. ما الذي كان من المفترض ألا نعرفه أبدًا عن الطفل الذي وُلد في تلك الغرفة؟ لم يكن السرّ في ذلك فحسب.

كان نسبه معقدًا. السر يكمن في أنه كان مُصممًا. لستة أيام، حبس العالم أنفاسه دون أن يدري، بينما كان كائن حيّ يتنفس، يبدو مستحيلاً، يرقد في حاضنة مستشفى. وعندما انكشفت حقيقة أصله أخيرًا، لم تُغلق القضية ببساطة، بل صُنفت ضمن مستوى التهديدات الوطنية.

لا تبدأ القصة بالطفل، بل بالدم. إرث من العزلة كان عميقًا ومطلقًا، حتى أنه تحوّل إلى مختبر. تجربة بشرية لم يُجرها علماء يرتدون معاطف بيضاء، بل عائلة مقتنعة بأنها تلمس وجه الله. أطلقوا على ذلك اسم الحفاظ على نقاء السلالة. أما بقية العالم، العالم الذي ما كان ينبغي له أن يكتشفه أبدًا، فسيُطلق عليه اسمًا أشدّ قتامة.
كانوا يبنون شيئًا جيلًا بعد جيل، سلامًا قطعة قطعة، بجهدٍ كبير. وفي صباح ذلك اليوم من شهر أكتوبر، أثمر عملهم أخيرًا. كان الاسم في سجلات التعداد هو ويتاكر. جوشوا ويتاكر، 1847. ادّعى ملكية 200 فدان من الأراضي الجبلية الوعرة في مقاطعة روان أوك، وهي منطقة تجنّبها المستوطنون الآخرون عمدًا. كانت الأرض غير صالحة للزراعة.
كان مكانًا مُقدَّرًا له الزوال. كانت تربته رقيقةً قاحلة. وكانت فصول الشتاء حصارًا لا هوادة فيه من الجليد والرياح. وكانت أقرب بلدة تبعد ثلاثة أيام سفر، عبر تضاريس قادرة على كسر عزيمة الرجل أو التواء كاحله بنفس القدر من اللامبالاة. لكن جوشوا لم يكن يبحث عن حياة جديدة. كان يبحث عن حصن. في الوديان العميقة المظلمة، حيث يتشبث ضباب الصباح بالتلال كالكفن، رافضًا أن ينقشع حتى في منتصف النهار، بدأت عائلة ويتاكر عملها العظيم والرهيب.
وصل ليس بزوجة واحدة، بل باثنتين. مارثا، زوجته الشرعية، وشقيقتها الصغرى ريبيكا. كان يُطلق عليها لقب “رفيقتي”، وهو مصطلح شائع في تلك الحقبة، وفّر للواعظ المحلي الغطاء اللازم لمباركة الزواجين في حفل واحد سريع. في عام ١٨٥٥، دوّى الجبل بصراخ ١٤ طفلاً.
وُلِد الثلاثة جميعًا، ولد وبنتان. لكن هنا انحرف مسارهم عن قصة معاناة الحياة على الحدود، وتحوّل إلى شيء مختلف تمامًا. فبينما كبر هؤلاء الأطفال الأربعة عشر ليصبحوا رجالًا ونساءً، لم تتجه أنظارهم إلى أضواء المدينة البعيدة، ولا إلى أبناء وبنات العائلات الأخرى، بل اتجهت أنظارهم إلى بعضهم البعض. وفي عزلة مملكتهم الجبلية الخانقة، كُتِبَ قانون جديد، لا في كتاب، بل بالدم.
قانونٌ ينصّ على أن العالم الخارجي مُعدٍ، وأن الخلاص الوحيد هو إبقاء الدائرة مغلقة. وجدنا مذكراتها إلى الأبد. بعد عقود، مخبأة تحت ألواح الأرضية البالية للمنزل الأصلي. كانت الصفحات هشة. تلاشى الحبر إلى لون بني باهت. لكن الكلمات، الكلمات، كانت متقدة.
لم يكن جوشوا ويتاكر مجرد مزارع غريب الأطوار، بل كان فيلسوفًا، ونبيًا لإنجيله المحرّف. كتب: “لقد خُفِّفَ دم الإنسان باختلاط الأمم، فأصبح باهتًا ومائيًا. لكن في عروقنا يجري ذكرى النار الأولى، الجوهر النقي. إن اختلاطه تدنيس له.”
إن الحفاظ على نقائها هو الشكل الحقيقي الوحيد للعبادة. أقنع أبناءه بذلك. لم يكتفِ بتعليمهم إياه، بل غرسه فيهم حتى أصبح جزءًا لا يتجزأ من كيانهم. لم يكونوا مجرد عائلة، بل كانوا شعبًا مختارًا، حماة شعلة جينية مقدسة. كان العالم الخارجي بحرًا من الفساد، وكان جبلهم سفينتهم.
وهكذا تزوج الجيل الأول، أخًا لأخته، وابن عم لابن عمه. وبحلول ثمانينيات القرن التاسع عشر، لم تعد شجرة عائلة ويتاكر شجرةً بالمعنى المتعارف عليه. بل أصبحت كإكليل، أو عقدة، أو أفعى تعض ذيلها. كانت حلقة مغلقة، دائرة مثالية ومرعبة. أما الأغصان التي كان من المفترض أن تتجه نحو الشمس، فقد انحنت إلى الداخل، ملتصقة بالجذع مرارًا وتكرارًا، لتشكل بنية كثيفة داكنة يصعب اختراقها من الخارج.
كانوا يُنشئون نوعًا جديدًا من البشر، وكانوا على استعداد للتضحية بكل شيء وكل شخص لتحقيق ذلك. كان الأطفال الذين وُلدوا من هذه الزيجات مختلفين. إنها كلمة تسمعها همسًا في شذرات من قصص ذلك الزمان. الجيران، القلائل الذين كانوا يسكنون على بُعد يوم سفر، كانوا يتحدثون عن قوم ويتاكر بنبرة خافتة مليئة بالخوف.
تحدثوا عن أطفال لم يبكِوا قط، بل أصدروا أصواتًا خافتة أجشّة، كطيورٍ عالقةٍ في مدخنة. أطفالٌ يمشون بخطواتٍ غريبةٍ متزعزعة، كما لو أن الأرض غير مستويةٍ تحت أقدامهم. لكن عيونهم هي ما بقي عالقًا في الأذهان. غالبًا ما كانت زرقاء باهتة، تحمل فراغًا عميقًا مُقلقًا.
لم يبدُ أنهم ينظرون إليك، بل من خلالك، كما لو كنت شبحًا في عالمهم، وليس العكس. بعد عام 1890، رفض الأطباء المحليون ببساطة القيام بالرحلة إلى أعلى الجبل من أجل ولادة في ويتاكر. كتب طبيب مسن، الدكتور أليستر فينش، في رسالة إلى أخيه: “لقد ولّدت أطفالًا بلا أطراف وأطفالًا برأسين”.
لقد رأيتُ أروعَ الخدع التي تُبدعها الطبيعة، لكنني لن أعود إلى ذلك المنزل أبدًا. ما يُولد هناك ليس من عند الله. العائلة ملعونة، وهي تقبل لعنتها كنعمة. لكن عائلة ويتاكر لم ترَ لعنة، بل رأت تقدمًا. فمع كل طفل جديد يُولد بقدم حنفاء، أو شق في سقف الحلق، أو بنظرة صامتة جامدة، كان كبار العائلة يومئون برؤوسهم قائلين: “الدم يزداد قوة”.
“إنّ الوعاء يتحوّل ليحتويه.” لقد اعتقدوا أنهم يُطهّرون سلالتهم، ويحرقون النفايات الجينية للعالم الخارجي، ويقتربون من مثالٍ لم يجرؤ أحدٌ غيرهم على تخيّله، يا دكتور. وبحلول أوائل القرن العشرين، أصبحت سلالة ويتاكر مفارقةً بيولوجية. فما بدأ كأيديولوجيةٍ جامدةٍ تطوّر بالضرورة إلى نظامٍ معقّدٍ بشكلٍ مُرعب.