كنتُ في السادسة عشرة من عمري عندما علمتُ أن الجحيم لا يحتاج إلى نار. كل ما يتطلبه الأمر هو رجل مبتسم يقدم لك ماءً نظيفًا وثلاث طرق للموت. اسمي أريان دافو. اليوم أبلغ من العمر 82 عامًا. أعيش وحيدة في منزل صغير بالقرب من شالون سور ساون، في بورغونيا. يراني المارة في شارعي سيدة مسنة هادئة تعتني بأزهار الكوبية وتلقي التحية بأدب. لا أحد يتخيل أنني قضيت سنوات أحمل عبء موتين كان بإمكاني تجنبهما. لا أحد يعلم أنه في عام 1943، خيرني قائد ألماني بين ثلاثة خيارات، ولم يسمح لي أي منها بالبقاء إنسانة.

سأخبركم بشيء لم أخبر به أطفالي أو زوجي الراحل، شيء كتمته في داخلي كجثة مدفونة. لكن الآن، في هذا البيت الصامت، أمام هذا الميكروفون، قررت أن الوقت قد حان. لأن الزمن لا يملك القدرة على تبرئة الوحوش، ولأنني إن متُّ دون أن أتكلم، فإن الحقيقة تموت معي.

يعتقد معظم الناس أن الحرب العالمية الثانية دارت رحاها في الخنادق وساحات المعارك، وأن أهوالها وقعت في أماكن بعيدة، في أماكن نائية، وشارك فيها غرباء. لكن الشر لا يختار جغرافيته؛ بل يطرق الأبواب حرفياً.

كان فجر أحد أيام نوفمبر. كنت أعيش مع أمي وشقيقي الصغير هنري في قرية سان جان لو ناسيونال، في ريف سون ولوار. مكان هادئ، طواه النسيان، حيث يعرف الجميع بعضهم بالاسم. توفي والدي قبل عامين، ضحيةً لالتهاب رئوي. كانت أمي تعمل خياطة. كنت أساعد في توصيل الطلبات وأحلم بدراسة التمريض بعد انتهاء الحرب. بسذاجة، كنت أعتقد أنه لا شيء مروع يحدث لأناس بسطاء مثلنا. كنت مخطئًا.
في تلك الليلة، كنت قد انتهيتُ لتوي من غسل الأطباق عندما سمعتُ صوت الشاحنات. اخترق هدير المحركات سكون القرية كالسيف. كانت أمي تُصلح معطفًا على ضوء الشموع. وكان هنري نائمًا في الغرفة المجاورة.
اقترب الضجيج، ثم تعالت أصوات ألمانية، ودوي أحذية على الإسفلت. وفجأة انفتح الباب. لم يطرقوا، بل اقتحموه. كان هناك أربعة جنود، بزيّهم الأنيق، ووجوههم الشابة، ونظراتهم الشاردة. كان أحدهم يحمل قائمة. نادى باسمي: أريان دافو. أخطأ في نطقه، لكنني كنت أنا.
نهضت أمي. حاولت أن تقول إن هناك خطأً ما، وأنني مجرد فتاة، وأنني لم أفعل شيئًا. دفعها أحد الجنود إلى الحائط. أصرت. أمسكت معصمي بقوة، كما لو أنها تستطيع أن تبقيني هناك إلى الأبد. رفع الجندي مؤخرة بندقيته وضرب يدها. ما زلت أسمع ذلك الصوت حتى اليوم: صوت تكسر العظم، والصراخ المكتوم. استيقظ هنري وهو يبكي. لم أستطع الحركة. كنت أنظر إلى أمي فقط، ورأيت الدم يتسرب بين أصابعها، وأدركت أن لا شيء سيعود كما كان أبدًا.
جرّوني إلى الخارج. لم يسمحوا لي بأخذ أي شيء، ولا حتى معطف أو حذاء لائق. في الخارج، كانت فتيات أخريات يُدفعن إلى شاحنة صغيرة مغطاة بقماش مشمع. تعرفت على بعضهن: سيمون، ابنة الخباز؛ مارغريت، التي كانت تعمل في الصيدلية. جميعهن صغيرات السن، تتراوح أعمارهن بين 16 و22 عامًا. سبع عشرة فتاة في المجموع. تم الاختيار في صمت. لم يشرحوا شيئًا. أشاروا إلينا ببساطة، وأمسكوا بنا، وألقوا بنا في الشاحنة.
رأيت والدة سيمون تصرخ. ورأيت جندياً يعتدي عليها أيضاً. رأيت الخوف على وجوه الفتيات الأخريات، وفي تلك اللحظة، أدركت أننا لم نُؤخذ إلى العمل، بل إلى ما هو أسوأ.
استغرقت الرحلة ساعات في الشاحنة، مكتظين كالمواشي، بلا مساحة للجلوس براحة، نستنشق رائحة العرق والخوف والبول. لم يتكلم أحد. بكينا بصمت. أمسكت سيمون بيدي. كانت في السابعة عشرة من عمرها.
عندما توقفت الشاحنة، كان النهار قد بزغ. نزلنا في مكان بدا وكأنه معسكر عسكري مؤقت. ثكنات خشبية، وأسوار من الأسلاك الشائكة، وأبراج مراقبة. لكنه لم يكن معسكرًا رسميًا لأسرى الحرب. لم يكن هناك علم، ولا تسجيل. كان مكانًا أصغر حجمًا، وأكثر خفاءً، أشبه بثقب أسود لا تصل إليه البيروقراطية.
استقبلنا ضابط. كان مختلفًا عن الجنود. أكبر سنًا، ربما في الأربعين من عمره، بزيّ أنيق، وشعر رمادي مُصفّف بعناية. كان يبتسم. لفت انتباهي هذا الأمر. ابتسم وهو يراقبنا، كمن يُقيّم قطعًا نادرة في متجر. كان اسمه القائد إريك ستولز. لم أعرف ذلك إلا لاحقًا، لكن في تلك اللحظة، لم أرَ سوى ابتسامته.
إن كنت لا تزال هنا، فهذا يعني أن هذه القصة تؤثر فيك. وهذا أمر طبيعي، لأن ما حدث لهؤلاء الفتيات السبعة عشر في ذلك الحقل المجهول قد يحدث لأي شخص. الشر لا يحتاج إلى إذن، ولا ينتظر دعوة. إذا أزعجتك هذه الشهادة، إذا شعرت بشيء ما عند سماع هذه الكلمات، فشاركنا تجربتك. أخبرنا من أين أتيت، لأن الذاكرة لا تدوم إلا إذا تذكرها أحد.
لم يكن للمخيم اسم رسمي، ولا تسجيل، ولا حتى فرع للصليب الأحمر. كان أشبه بثقب أسود إداري، حيث أُلقيت سبع عشرة فتاة كأشياء لا قيمة لها. لكننا كنا نملك قيمة – قيمة مروعة، تُقاس بالشباب والجسد.
اقتيدنا إلى كوخ مظلم ورطب. لم تكن هناك أسرّة، بل فرش من القش مفرودة مباشرة على الأرض الترابية. كانت رائحة العفن والعرق تفوح في المكان. كان البرد قارساً، برداً يتغلغل في العظام.
كانت امرأة تنتظرنا. اسمها جيردا، ألمانية، في الأربعينيات من عمرها. وجهها صارم، وشعرها مربوط في كعكة مشدودة. كانت تتحدث الفرنسية بلكنة ثقيلة. شرحت لنا القواعد: ممنوع ذكر الأسماء، فقط الأرقام. ممنوع الكلام بعد حظر التجول. ممنوع التواصل البصري المباشر مع الشرطة. الطاعة المطلقة. وسمت معاصمنا بالحبر الأسود. كنتُ رقم ١١، وسيمون رقم ١٠، ومارغريت رقم ١٥.
قالت جيردا شيئًا لن أنساه أبدًا: “هنا، لم تعدوا بشرًا. أنتم موارد، والموارد يجب أن تخدم.” تخدم . ستصبح هذه الكلمة كابوسنا.
في الأيام الأولى، كلفونا بأعمال شاقة: غسل ملابس الضباط، وتنظيف المراحيض، وإعداد الطعام. عمل مرهق، لكنه محتمل. ظننا أن هذا كل ما في الأمر، وأننا مجرد عمالة رخيصة. كنا مخطئين.
في الليلة الثالثة، جاءت جيردا لاصطحاب فتاة، رقم ٢، سمراء ذات عيون خضراء، ربما في التاسعة عشرة من عمرها. كانت ترتجف. أخذتها جيردا إلى مبنى منفصل أصغر حجمًا بالقرب من مكتب القائد. لم تعد الفتاة إلا في صباح اليوم التالي. لم تعد تتكلم. جلست في زاوية، تحدق في الحائط بشرود لساعات. لم يجرؤ أحد على السؤال عما حدث. لكننا كنا نعلم.
بعد ثلاثة أيام، جاء دور الفتاة رقم ٨. ثم دور أخرى. ترسخ نظامٌ مُعتاد. كل أسبوع، كانت جيردا تأتي لاصطحاب فتاتين أو ثلاث. بعضهن عدن مُحطمات، والبعض الآخر لم يعدن أبدًا. أدركنا قسوة حسابات المُخيم: الشباب هو العملة. أجسادنا هي الثمن.
لم يصرخ القائد ستولز قط. لم يضرب أحداً. كان يراقب. كان يبتسم. أحياناً كان يقدم قطعة خبز إضافية، أو بعض الصابون، أو بطانية – امتيازات صغيرة خلقت تسلسلاً هرمياً ساماً بيننا. بعض الفتيات قبلن، والبعض الآخر قاومن، لكن المقاومة كانت لها ثمن.
في إحدى الليالي، رفضت الجندية رقم 6 مرافقة جيردا. قاومت وصرخت. جرّها جنديان بالقوة. في اليوم التالي، تلقينا أوامر بحفر قبر خلف الثكنات الطبية. لم نرها بعدها. كان ذلك هو الدرس: الرفض يعني الاختفاء.
قضيت لياليَ بلا نوم، وقلبي يخفق بشدة مع كل خطوة. دعوت الله أن أختفي عن الأنظار، وألا تُخبره جيردا برقمي أبدًا. لكن الدعاء لم يكن كافيًا أبدًا.في صباح أحد أيام ديسمبر، بعد ثلاثة أسابيع من وصولنا، دخلت جيردا الثكنات. نظرت حولها وأشارت قائلة: “رقم ١١. اتبعني.” شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. نظرت إليّ سيمون برعب. حاولت الوقوف، لكن ساقيّ ارتجفتا. فرقعت جيردا أصابعها قائلة: “الآن.”