كانت تلك أول مهمة قتالية له. ظلّت تلك الفكرة تُلحّ عليه كصدى لا يُمكن إسكاته. أول مهمة. أول مرة يرى فيها ألمانيا من الجو. أول مرة تقترب منه طائرات العدو بنية واضحة لقتله. لم يُهيّئه التدريب لمواجهة وطأة الخوف الحقيقية. تعلّم إطلاق النار، وتتبّع الأهداف، والهدوء – نظريًا. لكن لم يُعلّمه شيء شعور الوحدة التامة، مُنفصلًا عن باقي الطاقم بأكثر من اثني عشر مترًا من جسم الطائرة، لا يُؤنسه سوى هدير المحركات ودقات قلبه المتسارعة.

كانت طائرة “ريكي تيكيتابي” جزءًا من قوة ضخمة تضم أكثر من ثلاثمائة قاذفة تابعة للقوات الجوية الثامنة. كان الهدف مدينة بريمن، وهي مدينة صناعية رئيسية تعج بالمصانع التي غذّت آلة الحرب الألمانية. بالنسبة للمخططين الاستراتيجيين، كانت مجرد نقطة على الخريطة. أما بالنسبة للطيارين الذين كانوا يحلقون هناك، فقد كانت جحيمًا محصنًا تمامًا. في الساعة الأولى من المهمة، أُسقطت ست قاذفات من طراز “فلاينج فورتريس”. اختفت ستة أطقم كاملة من السماء، ابتلعتها النيران والصلب والفراغ.

لم يستطع يوجين رؤيتهم وهم يسقطون، لكنه كان يعلم بوجودهم، وأن كل فراغ في التشكيل يعني أصدقاء لن يعودوا إلى ديارهم أبدًا. اهتزت القاذفة وهي تشق طريقها عبر طبقات الهواء المتجمد. كانت درجة الحرارة في الذيل قاسية للغاية. بدأت أصابعه، المغطاة بقفازات سميكة، تخدر ببطء، ومع ذلك كان عليه أن يبقيها جاهزة، مرنة، مستعدة للضغط على الزناد في أي لحظة.

كان موقع مدفعي الذيل الأكثر عزلة في الطائرة بأكملها. كان الطيار ومساعده يتشاركان قمرة القيادة، بينما كان الملاح وقاذف القنابل يعملان معًا في مقدمة الطائرة، وكان مهندس الطيران يتحرك بالقرب من البرج العلوي، ولم يكن مشغل اللاسلكي بعيدًا عن مركز جسم الطائرة. كان الجميع يسمعون أصواتًا من حولهم، شعورًا بعدم الوحدة. أما يوجين، فلم يكن يشعر بذلك. لم يكن خلفه سوى سماء العدو. وأمامه، عزله هيكل طويل وضيق من الألومنيوم كما لو كان قد انفصل بالفعل عن عالم الأحياء.
عندما ظهرت أولى المقاتلات الألمانية، بدت كنقاط داكنة تتحرك بسرعة. وفي غضون ثوانٍ، تحولت تلك النقاط إلى طائرات واضحة المعالم وعدوانية، تهاجم التشكيل كقطيع هائج. رآها يوجين تقترب من الخلف، تحديدًا من حيث كان من المفترض أن يحمي قاذفة القنابل “ريكي تيكيتابي”. انقبضت معدته. كانت هذه مسؤوليته. إذا فشل، فقد تمزق المقاتلات القاذفة إربًا وتقتل الرجال العشرة الذين بداخلها.
فكّر في منزله. في المطبخ الدافئ حيث كانت أمه تُعدّ الطعام، غافلةً عن أن ابنها على بُعد آلاف الأميال، جاثيًا في الطائرة، والموت يُحدق به بسرعة. فكّر في والده، في يديه الخشنتين من العمل، في الكلمات البسيطة التي نطق بها قبل رحيله: “افعل ما عليك فعله، ثم عُد”. في تلك اللحظة، بدت العودة فكرةً بعيدة، تكاد تكون غير واقعية.
ازداد الضجيج. امتلأت السماء بآثار الرصاص، خطوط لامعة تتقاطع في الهواء. التفت يوجين بصعوبة، وعدّل وضعيته في المقعد، وضغط وجهه على المنظار. كان تنفسه سريعًا وسطحيًا. أجبر نفسه على تهدئته، ليتذكر التعليمات، وألا يطلق النار مبكرًا. بدت الطائرات المقاتلة الألمانية أكبر في المنظار، سريعة، حازمة، واثقة من تفوقها.
كانت الطائرة “القلعة الطائرة” صامدة، لكنها لم تكن منيعة. كان يوجين يعلم أن بضع ثوانٍ من إطلاق نار دقيق كافية لتمزيق جناح، أو إشعال محرك، أو اختراق قمرة القيادة. كل رصاصة لم يطلقها في الوقت المناسب كانت فرصة للعدو. كل ثانية من التردد قد تكلف عشرة أرواح.
ضغط على الزناد لأول مرة. انطلقت الرشاشات بقوة هائلة، هزت جسده كله. كان الصوت مدويًا، مزيجًا من العنف الآلي واليأس الإنساني. انطلقت الرصاصات في السماء، مشكلةً حاجزًا من النار. لم يكن يوجين يعلم إن كان يصيب هدفه. كل ما كان يعرفه هو أنه يجب أن يستمر في إطلاق النار، ويستمر في التصويب، ويستمر في الحياة.
ناور المقاتلون، وهاجموا، وانسحبوا، ثم عادوا. فقد الزمن معناه. ربما كانت ثوانٍ أو دقائق. انحصر عالمهم في منظار البندقية، وحركة طائرات العدو، وارتجاف القاذفة المستمر. لم يعد للبرد أي تأثير. بقي الخوف، لكنه الآن امتزج بتركيز شديد، يكاد يكون حيوانيًا.
كان يشعر بين الحين والآخر بصدمات على جسم الطائرة. ضربات حادة ومرعبة. كانت طائرة ريكي تيكيتابي تتضرر، لكنها استمرت في التحليق. كان يوجين يصرخ دون وعي، كلماته تضيع وسط هدير المحركات والأسلحة. لم يكن يعلم إن كان أحد يسمعه. لم يكن ذلك مهمًا حقًا. كانت معركته هناك، وحيدًا، في مواجهة سماء معادية بأكملها.
في لحظة ما، اقتربت إحدى المقاتلات لدرجة أن يوجين استطاع رؤية خيال الطيار العدو. ولبرهة خاطفة، تبادل شابان من بلدين مختلفين النظرات عبر قمرتي قيادة مغلقتين، يجمعهما حرب لم يبدأها أي منهما. ثم انقطع هذا المشهد، واختفت الطائرة الألمانية عن أنظارهما.
عندما انحسرت الموجة الأولى أخيرًا، أدرك يوجين أن جسده كله يؤلمه. كانت ذراعاه متيبستين، ويداه ترتجفان. كان لا يزال على قيد الحياة. كانت سفينة ريكي تيكيتابي لا تزال في تشكيلها. لم يتم الوصول إلى بريمن بعد. لم تنتهِ المهمة. كانت هذه مجرد البداية.
بينما كان يوجين يُعدّل وضعيته ويتفقد أسلحته، أدرك شيئًا لن ينساه أبدًا. لقد رحل فتى المزرعة، تاه في مكان ما بين ويسكونسن والسماء الألمانية. حلّ مكانه شخص آخر، شخص واجه الموت بشجاعة وواصل إطلاق النار. ورغم أنه لم يكن يعلم ذلك بعد، إلا أن تلك اللحظة في ذيل قاذفة بي-17 ستظل تطارده طوال حياته.
كان قصف بريمن لا يزال قادمًا، لكن بالنسبة ليوجين موران، بدا الوقت وكأنه قد بلغ أقصى مداه. بعد الموجة الأولى من المقاتلات، ساد صمتٌ خادعٌ في السماء، صمتٌ كان أثقل من الضجيج. كان يعلم أن الألمان لن يستسلموا بعد محاولة واحدة. لم يكن ذلك التوقف هدنة، بل كان بمثابة نفس عميق قبل الضربة التالية.
واصلت طائرات ريكي تيكيتابي تقدمها في تشكيلها، كتلة متراصة من حصون طائرة تحاول الحفاظ على تماسكها كوحدة واحدة. كان الانضباط في الطيران أمرًا بالغ الأهمية، فالقاذفة التي تتخلف عن الركب تصبح فريسة سهلة. نظر يوجين حوله، محدقًا بعينيه من خلال النافذة الخلفية، باحثًا عن أي ظل يتحرك بسرعة كبيرة، عن أي علامة خطر. لم يعد ذهنه منصبًا على ولاية ويسكونسن، بل كان محاصرًا تمامًا في تلك السماء الرمادية القاتمة.
عاد البرد مع انحسار الأدرينالين. تسرب الهواء المتجمد من كل شق في حجرة الذيل. كانت قدماه مخدرتين، وشعر بوخزات مؤلمة في أصابع قدميه. مع ذلك، أجبر نفسه على تحريكهما. لم يكن بوسعه تحمل فقدان الإحساس. في تلك الحالة، أي خلل جسدي قد يكون قاتلاً.
وصلت أصوات متقطعة، مشوشة بالضوضاء، عبر جهاز الاتصال الداخلي. تحدث الطيار بهدوء مصطنع، وأكد الملاح الاتجاهات، وذكر قاذف القنابل الأوقات. بالكاد رد يوجين. ليس لأنه لم يرغب في ذلك، بل لأنه شعر أنه إذا تكلم، سينفجر التوتر المتراكم في صورة ذعر. فضل الصمت والمراقبة.