رائد في الجيش الألماني (فيرماخت) هرب من ستالينغراد — بعد 80 عامًا، تم اكتشاف بُنْكَره في جبال الأورال

في مارس 2023، كان دليل الصيد الروسي ديميتري فولُوف يتجول في وديان جبال الأورال النائية، على مسافة تزيد عن 1800 كيلومتر شرق ستالينغراد، في نزهة روتينية اعتادها. فجأة بدأ كلبه يحفر بحماس قرب انهيار صخري، وكشف عن جسم معدني صدئ يشبه خوذة ألمانية من الحرب العالمية الثانية. لم يكن الغريب في حالة حفظ الخوذة الجيدة رغم مرور ثمانين عاماً، بل الثقب الواضح في الصدغ الأيسر الناتج عن رصاصة، مما يشير إلى موت عنيف.

وصل علماء الآثار من موسكو سريعاً، وما اكتشفوه أعمق في المنحدر، على عمق ثلاثين متراً، أثار حيرة كبيرة: بُنْكَر محصن مخفي بعناية، يحتوي على جثة مومياء لرائد ألماني يرتدي زيه العسكري كاملاً.

لوحة الهوية والوثائق الشخصية أكدت هوية مستحيلة: الرائد فريدريش هارتمان من الفرقة 371 مشاة، وحدة أُبيدت بالكامل في ستالينغراد في فبراير 1943. كيف وصل ضابط من هذه الفرقة، التي يُفترض أنها انتهت في الجحيم السوفييتي، إلى هذا المكان البعيد؟ ولماذا كان البُنْكَر مزوداً بكميات كافية من الطعام والأدوية والمؤن تكفي للبقاء ستة أشهر كاملة؟ تحول هذا الاكتشاف إلى لغز تاريخي لم يُحل بعد ثمانين عاماً من انتهاء المعركة الأسطورية.

يعود بنا الزمن إلى شتاء 1942-1943، أقسى فصول الحرب على الجيش الألماني. بدأت عملية بربروسا بغطرسة وسرعة، لكنها تحولت إلى كارثة استنزاف حول مدينة ستالينغراد على ضفاف نهر الفولغا. بحلول نوفمبر 1942، حاصر السوفييت الجيش السادس بقيادة الجنرال باولوس في عملية أورانوس، محاصرين نحو 265 ألف جندي ألماني ومن حلفائهم. انقطعت خطوط الإمداد، وغابت الملابس الشتوية المناسبة، بينما هبطت درجات الحرارة إلى 35 درجة تحت الصفر. كان الجنود يقاتلون في ظروف لا تُطاق: جوع شديد، برد قارس، وأمراض متفشية.

ولد فريدريش هارتمان في درسدن عام 1908، والتحق بالرايخسفير عام 1926. بحلول عام 1942، أصبح ضابطاً محترفاً يبلغ من العمر 34 عاماً، معروفاً بمنهجيته وحرصه على سلامة جنوده، وأحياناً بتعارضه مع القادة الأكثر أيديولوجية. سجله العسكري يحتوي على توبيخ سابق لأنه صادر إمدادات طبية إضافية وزعها على جنود مصابين بالتيفوئيد. كانت فرقته، الفرقة 371 مشاة الساكسونية، تقاتل في القطاع الجنوبي من جيب ستالينغراد، تدافع عن المصانع والمباني بيتاً بيتاً. نفدت الذخيرة فاستخدموا السكاكين والمجارف، وانخفضت الحصص الغذائية إلى 200 غرام خبز يومياً وشوربة مائية. أُكلت الخيول كاملة، حتى الحوافر، وأُجريت عمليات بتر بدون تخدير في أقبية متجمدة.

وفقاً لسجلات الفرقة التي استرجعت في 1991، كان قوام كتيبة هارتمان في بداية يناير 1943 يتكون من 180 رجلاً، 47 منهم فقط قادرون على القتال. في 24 يناير أُبلغ عن هارتمان بأنه مفقود بعد اختراق سوفييتي. استسلمت الفرقة في 2 فبراير، ولم يعد سوى أقل من 400 جندي من عشرة آلاف. لكن اختفاء هارتمان كان مختلفاً: كان في طرف المحيط بعيداً عن نقطة الاختراق الرئيسية. شهد ثلاثة ناجين آخر مرة له في 22 يناير، وهو يناقش بحدة مع ضابط في الغيستابو حول إعدام مدنيين روس، ثم قال إنه يبحث عن «خيار ثالث».

في الساعة الرابعة والنصف صباحاً من ذلك اليوم، جمع هارتمان اثني عشر رجلاً مختارين بعناية: رسام خرائط، ميكانيكي، خبير بقاء في الشتاء، مشغلو راديو، ومتخصصون في التفجير. معظمهم كانوا في إجازة مرضية مؤقتة، فلم يُلاحظ غيابهم فوراً. حصلوا على خرائط سوفييتية مستولى عليها، وملابس شتوية، وإمدادات طبية، ووثائق مزورة بأختام NKVD. انطلقوا في الساعة السادسة صباحاً متنكرين بملابس مدنية، متجهين نحو «مكان لم تصله الحرب بعد». كانت درجة الحرارة 28 تحت الصفر، والرياح تصل سرعتها إلى 40 كيلومتراً في الساعة.

بعد خمسة أيام، رصدهم سكة حديد سوفييتي على بعد 120 كيلومتر شمال ستالينغراد: مجموعة من 14 أو 15 رجلاً يتحركون ليلاً، يتجنبون الطرق، وأحدهم يمشي بوقار ضابط رغم الإرهاق. استمرت رحلتهم شرقاً عبر السهول الروسية الشاسعة، متجنبين الدوريات والقرى. كانوا يعتمدون على مهارات البقاء، يصطادون ما يجدون، ويستخدمون المتفجرات لإزالة العوائق. خاضوا معارك صغيرة مع مجموعات استطلاع سوفييتية، وفقدوا بعض رفاقهم في الطريق. بعد أشهر من المسير الشاق عبر الغابات والأنهار المتجمدة، وصلوا إلى جبال الأورال، حيث بنوا البُنْكَر المخفي في منحدر صخري بعيد عن أي طريق أو قرية.

في البُنْكَر، عاش هارتمان ورجاله أشهراً قليلة. كانوا يأملون في النجاة حتى نهاية الحرب أو فرصة عبور إلى مناطق أكثر أماناً. لكن البرد والجوع والمرض أنهكوهم تدريجياً. يبدو أن هارتمان أُصيب برصاصة في رأسه، ربما في مواجهة أخيرة أو انتحاراً، بينما حافظ البُنْكَر على جثته موميأة بفضل البرودة الشديدة والعزلة. بقيت الإمدادات شبه كاملة، دليلاً على أنهم لم يستهلكوها كلها قبل النهاية المأساوية.

هذا الاكتشاف أعاد فتح ملفات تاريخية حول الهروب من ستالينغراد. كم من الجنود حاولوا الفرار بحثاً عن «خيار ثالث» بعيداً عن الاستسلام أو الموت في المعركة؟ يُظهر سجل هارتمان ضابطاً واقعياً رفض الإيديولوجيا المتطرفة، مفضلاً سلامة رجاله. ربما كان يأمل في العودة إلى ألمانيا يوماً ما، أو الاندماج في مناطق نائية. لكن القدر أنهى رحلته في جبال الأورال الباردة.

اليوم، بعد ثمانين عاماً، أصبح البُنْكَر شاهداً صامتاً على مأساة الحرب. يدرس العلماء الوثائق والجثة بعناية، محاولين إعادة بناء الأيام الأخيرة لهذه المجموعة الصغيرة التي تحدت الموت في أكثر معارك الحرب شراسة. قصة فريدريش هارتمان ليست مجرد قصة هروب فاشل، بل رمز للإنسان الذي يبحث عن بقاء وسط الجحيم، وعن خيار ثالث في عالم يفرض خيارين فقط: النصر أو الموت. تظل التفاصيل الدقيقة لرحلته غامضة، لكن اكتشاف البُنْكَر أعطى صوتاً لصمت ثمانين عاماً من التاريخ المنسي.

Related Posts

TERREMOTO POLITICO: Silvia Salis TRADISCE il PD e si SCHIERA Con Meloni!

Il “Gran Salto” di Silvia Salis: la sindaca PD di Genova rompe gli indugi e incorona Giorgia Meloni Nel mondo dello sport, il lancio del martello richiede forza, equilibrio e…

Read more

Pregarono… e furono violentate – La testimonianza dimenticata delle suore deportate

“Mi chiamo suor Marie-Thérèse. Nel 1943 avevo 24 anni. Oggi ne ho 86. Non ho mai parlato di questo, né ai miei superiori, né alle mie consorelle, nemmeno al mio…

Read more

BIGNAMI SHOCK: “DOVETE FARE SILENZIO!”: L’attacco frontale che la sinistra non dimenticherà!

Bignami umilia la sinistra in Aula: “Niente lezioni di mafia da chi si inchina ai boss in cella” Esistono momenti nella vita parlamentare in cui il protocollo formale cede il…

Read more

«Mi darai un figlio» – Il generale tedesco che mi costrinse a rimanere incinta

“Mi chiamo Arianne de Lorme. Sono nata nel 1924 a Beaune, una cittadina della Borgogna nota per i suoi vigneti e i suoi tetti di tegole smaltate. Prima della guerra…

Read more

💖Jack Della Maddalena utilizó discretamente el dinero de su premio tras su victoria para comprar todos los gimnasios antiguos ubicados en el corazón de Perth, Australia, los lugares donde solía entrenar de niño con equipos desgastados y rotos. En lugar de demolerlos, optó por hacerlo.

Tras su victoria, Jack Della Maddalena utilizó discretamente el dinero de su premio para comprar todos los gimnasios antiguos del centro de Perth, Australia, los mismos lugares donde entrenó de…

Read more

15 MINUTES AGO: “This is completely pointless! Why do we even have to play matches like this?!” John Stones has spoken out, claiming that the friendlies he’s forced to participate in are unnecessary.

15 MINUTES AGO: “This is completely pointless! Why do we even have to play matches like this?!” John Stones Has Spoken Out, Claiming Friendlies Are Unnecessary In a stunning outburst…

Read more

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *