لا يتحدث ميل غيبسون عادةً باستخفاف عندما يتعلق الأمر بمواضيع روحية وتاريخية وحساسة. لذا، عندما توقف فجأةً في منتصف حديثه، تاركًا صمتًا أثقل من أي تصريح، لم يكن ما قاله نظريةً غريبة، بل اعترافًا راسخًا. قال إن هناك نسخةً من الكتاب المقدس لم يرها معظم العالم قط. ليست نسخةً مختلفةً تمامًا، ولا مجرد ترجمةٍ مختلفة، بل نصٌ أقدم وأكثر شمولًا، بأسفارٍ استُبعدت من الرواية السائدة.

وأوضح أن ما تشير إليه تلك النصوص بشأن نهاية الزمان لا يتوافق مع ما اعتبرته أجيال بأكملها أمراً مسلماً به.
الفكرة، ظاهريًا، ليست جديدة. فقد ناقش العلماء واللاهوتيون على مرّ القرون النصوص المنحولة والأناجيل المنسية والمعايير التي حددت قانون الكتاب المقدس. إلا أن ما يقترحه جيبسون يتجاوز النقاش الأكاديمي. لم يكن أسلوبه أسلوب مخرج أفلام مفتون بالغموض، بل أسلوب شخص يعتقد أنه عثر على أدلة لا تتوافق مع الرواية الرسمية. في قصته، تظهر نسخة من الكتب المقدسة نجت بعيدًا عن مراكز السلطة الدينية التي شكلت الإيمان في الغرب.
تُعرف هذه النسخة لدى البعض باسم الكتاب المقدس الإثيوبي، وهي مجموعة من النصوص التي حفظتها الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية التوحيدية. وعلى عكس نسخ الكتاب المقدس الأكثر انتشارًا، تتضمن هذه النسخة كتبًا تم تجاهلها أو اعتبارها مثيرة للجدل في أماكن أخرى. ومن بينها كتاب أخنوخ، وهو نص قديم يصف رؤى سماوية، وملائكة ساقطين، ورواية عن نهاية الزمان تختلف اختلافًا كبيرًا عن التفسيرات الأكثر شيوعًا لسفر الرؤيا.
لم يكتفِ جيبسون بالإشارة إلى وجودها، بل أشار إلى أن مضمونها قد يُغيّر فهمنا ليس فقط للماضي، بل للمستقبل أيضاً. ووفقاً لتفسيره، فإن روايات نهاية العالم لا تتمحور حصراً حول الحساب والدمار، بل تتضمن تحذيرات أكثر تعقيداً، بل وغامضة، حول طبيعة السلطة، والفساد الروحي، ودور البشرية في مصيرها.

إن ما يثير القلق ليس فقط ما تقوله هذه النصوص، بل ما يعنيه قبول استبعادها عمدًا. فتاريخ قانون الكتاب المقدس حافلٌ بقرارات المجامع، ومناقشات الزعماء الدينيين، وعملياتٍ، رغم توثيقها، لا تزال غامضة. ما المعايير التي استُخدمت لتحديد الكتب الجديرة بأن تكون جزءًا من النص المقدس وتلك غير الجديرة؟ هل كان الأمر متعلقًا بالاتساق اللاهوتي، أم أن هناك عوامل سياسية أو استراتيجية أو حتى أيديولوجية مؤثرة؟
يرى بعض الخبراء أن تشكيل القانون الكنسي كان في جوهره محاولة لتوحيد العقيدة خلال فترة التوسع المسيحي المتزايد. وقد سهّلت الرسالة المتماسكة ترسيخ الإيمان في مختلف المناطق. بينما يرى آخرون أن هذه العملية شكل من أشكال السيطرة على السرد، حيث تم استبعاد نصوص معينة لأنها قدمت تفسيرات يصعب التوفيق بينها وبين السلطة المؤسسية.
في هذا السياق، تُصبح النسخة الإثيوبية من الكتاب المقدس حالةً شاذةً مثيرةً للاهتمام. فقد ظلت معزولةً لقرونٍ عن التيار الرئيسي للمسيحية الأوروبية، فحفظت نصوصًا اختفت في أماكن أخرى أو حُصرت في مخطوطاتٍ مخفيةٍ في المكتبات والمحفوظات. لم تكن مخفيةً بالمعنى الحرفي، بل إن تأثيرها لم يتجاوز بيئتها الثقافية والدينية.
يبدو أن جيبسون يُلمّح إلى أن هذا النقص في الانتشار لم يكن محض صدفة. ورغم أنه لا يُقدّم أدلة قاطعة، إلا أن حجته تُثير تساؤلاً مُقلقاً: إذا كانت بعض النصوص تُقدّم رؤية لنهاية الزمان أقل انسجاماً مع الرواية السائدة، فهل كان هناك دافع لإخفائها؟ ليس كجزء من مؤامرة حديثة، بل نتيجة لقرارات تراكمت على مرّ القرون.
يصف كتاب أخنوخ، على سبيل المثال، عالماً تتفاعل فيه الكائنات السماوية مباشرةً مع البشرية، مُغيرةً مسارها تغييراً جذرياً. في روايته، لا ينشأ الفوضى من شرور البشر فحسب، بل من انهيار أوسع في النظام الكوني. يُغيّر هذا النهج محور المسؤولية، ويُقدّم سيناريو لا تكون فيه نهاية الزمان مجرد عقاب إلهي، بل نتيجة قوى كانت فاعلةً منذ زمن بعيد.
بالنسبة لبعض المؤمنين، تُثير هذه الأفكار قلقاً. أما بالنسبة لآخرين، فهي تمثل فرصة لإعادة النظر في مفاهيم تم قبولها دون نقاش. لا يسعى جيبسون، بأسلوبه المباشر المعهود، إلى تقديم إجابات قاطعة. بل يبدو مهتماً بإشعال شرارة الشك، ودعوتنا إلى النظر إلى ما وراء الأعراف السائدة.
ما يجعل هذه القصة أكثر من مجرد حدث تاريخي مثير للاهتمام هو اللحظة التي ظهرت فيها. ففي عصرٍ باتت فيه المعلومات متاحة أكثر من أي وقت مضى، تُعاد اكتشاف النصوص القديمة وترجمتها وتحليلها باستخدام أدوات جديدة. ما كان حكرًا على الأوساط الأكاديمية أصبح الآن يصل إلى جمهور عالمي في غضون ثوانٍ. وفي هذا السياق، تجد الأسئلة التي يطرحها جيبسون أرضًا خصبة للنقاش.
مع ذلك، من المهم التمييز بين الاستكشاف والاستنتاج. فوجود نصوص إضافية لا يعني بالضرورة أنها أُخفيت بقصدٍ مُحدد. تاريخ الأديان مُعقد ومتشعب، واختزاله إلى سردية سرية مُتعمدة قد يكون تبسيطًا مُخلًا، تمامًا كتجاهل التناقضات كليًا.
مع ذلك، ثمة شيء في طريقة تعبير جيبسون يتجاوز المنطق الصارم. ربما هو الشعور بأن هناك جوانب من تاريخنا الروحي لم تُستكشف بالكامل بعد. أو ربما هو الحدس بأن الروايات الرسمية، مهما بدت متينة، تترك دائمًا مجالًا لوجهات نظر أخرى.
في نهاية المطاف، لا يقتصر السؤال على ما تقوله هذه النصوص فحسب، بل على ما نحن على استعداد لفعله بهذه المعلومات. هل ستتغير نظرتنا للعالم حقًا إذا اختلفت رواية نهاية الزمان عن تلك التي ورثناها؟ أم أننا سندمجها ببساطة كجزء آخر في فسيفساء أكبر بكثير من المعتقدات والتقاليد؟
لم يُقدّم جيبسون أيّ خاتمة. ظلّ تصريحه معلّقًا، كالصمت الذي سبق كلماته. وفي تلك المساحة، بين ما قيل وما أُشير إليه، ينفتح مجالٌ تتشابك فيه خيوط التاريخ والإيمان والفضول. مكانٌ لا تُقدّم فيه الإجابات فورًا، لكنّ الأسئلة تستمرّ في التزايد حتمًا.