اسمي آنا. كنتُ في الثامنة والعشرين من عمري، في عزّ الشتاء، عندما انطفأت آخر شرارة من إنسانيتي. إن كنتم تبحثون في كتب التاريخ عن قصص شجاعة ومقاومة مُلهمة واستشهاد مُخلّد، فأنصحكم بالابتعاد. لا شيء نبيل في قصتي.

إنها مصنوعة من الوحل والخيانة والجوع وعارٍ عميقٍ يتغلغل في العظام، ولا يزول أبدًا. سأخبركم كيف تتحول المرأة إلى مجرد قطعة لحم، شيءٌ بلا اسم، بلا ماضٍ، وبلا حق في المعاناة. كل ذلك بدأ في رافنسبروك.

لم يكن هذا المعسكر مجرد مكان لاحتجاز النساء، بل كان هاويةً تلتهمنا فيها الجوع من الداخل. الجوع ليس مجرد شعور عابر، بل هو وحشٌ ضارٍ ينهش عقولنا، ويمحو ذكرياتنا، ومعنوياتنا، وكرامتنا. لم نكن سوى ظلالٍ رمادية، هياكل عظمية مترنحة ترتدي ملابس مخططة فضفاضة. تجمدنا حتى الموت خلال عمليات التعداد التي لا تنتهي في الثلج، تلسعنا الرياح الجليدية القادمة من البحيرة.

في صباح أحد أيام نوفمبر، كانت السماء ملبدة بالغيوم، تنذر بالسوء. دوّت مكبرات الصوت، وصدر الأمر بالاصطفاف. مرّ ضباط قوات الأمن الخاصة (إس إس) بين صفوفنا بنظراتٍ تُشبه نظرات تجار الخيول الذين يُقيّمون الماشية المريضة. أعلنوا أنهم يبحثون عن متطوعين لـ”عمل خاص” في معسكر آخر. تردد صدى صوت القائد المعدني، وهو ينطق بكلماتٍ كانت بالنسبة لنا سرابًا محضًا: حصص من الخبز الأبيض والمربى والنقانق، وغرفة مُدفأة، وفوق كل ذلك، الكذبة الأقسى والأكثر كمالًا: إطلاق سراح غير مشروط بعد ستة أشهر من الخدمة. ستة أشهر، 180 يومًا، ثم الحرية.
لم أتقدم خطوةً للأمام بدافع الشجاعة أو حب المغامرة، بل لأن ركبتي كانتا تخوناني. ولأنني رأيتُ في اليوم السابق رفيقةً تموت من الزحار في برازها على فراش القش القريب، ولأن معدتي كانت تؤلمني بشدة. كنا نتقدم بالعشرات، وعيوننا متسعةٌ شوقًا لقطعة خبز. ضحك الحراس عندما رأونا: ضحكةٌ جافةٌ لاذعة. اختاروا نحو خمسين منا، أصغرهم سنًا، أولئك الذين لم يمحو الجوع ملامحهم تمامًا بعد.
أخذونا إلى الحمامات، ورشّونا بمطهرٍ أحرق بشرتنا المتندبة. أعطونا ملابس نظيفة. بل وقدّموا لنا حساءً كثيفًا. أتذكر أنني بكيت وأنا أبتلع ذلك المرق المغلي. للحظة، في لحظةٍ مروعة، ظننت أن الكابوس على وشك الانتهاء. لم أكن أدرك أن الآلة الموسيقية يجب تنظيفها دائمًا قبل استخدامها.
صعدنا إلى شاحنات مغطاة. استغرقت الرحلة عدة ساعات. عند وصولنا، رأيت من خلال شق في القماش المشمع أبراج مراقبة، وأسلاك شائكة مكهربة، وآلاف السجناء يرتدون بيجامات مخططة. كان معسكر اعتقال للرجال: بوخنفالد.
كان المبنى الذي اقتيدنا إليه معزولاً عن باقي المعسكر بأسوار خشبية عالية. كان يُسمى “سوندرباو” ، أي المبنى الخاص، بيت الدعارة في المعسكر. في الداخل، كان هناك ممر مركزي طويل تصطف على جانبيه أبواب صغيرة مرقمة. كانت الرائحة خانقة: مزيج من الكريزول الرخيص، والصابون الفاسد، والحرارة الشديدة المنبعثة من مشعات حديدية ضخمة.
وقفت أمامنا رئيسة الحراس، امرأة مهيبة ترتدي زيًا رماديًا. كانت تحمل سوطًا في يدها، تنقر به بعصبية على حذائها. لم تُظهر نظرتها لا شفقة ولا كراهية، بل كانت نظرة مشرف أمام آلاته. قالت بصوت بارد: “لم تعودوا سجناء سياسيين. أنتم هنا للحفاظ على معنويات أعضاء المعسكر المستحقين، الكابو، وقادة الأحياء، والناس الذين يُبقون هذا المصنع يعمل. سيزوركم عدة رجال كل مساء. الوقت محدود. لا نقاش، لا مشاعر. عليكم فقط أن تعملوا.”
إذا مرضت، أو رفضت، أو أصبحت عاجزاً، فسيكون العقاب فورياً ونهائياً.
صدمتني الحقيقة بقوة لكمة في وجهي. كان وعد الحرية مجرد وهم بشع. لقد بعنا أجسادنا مقابل قطعة خبز. لكن الصدمة الأشد وطأة، تلك التي حطمت روحي حتى قبل أن يدخل أول رجل من بابي، جاءت في اليوم التالي.
سُمح لنا بالتجول لبضع دقائق في فناء صغير مُسيّج مُلحق بالمبنى. على الجانب الآخر من السياج، مرّ صفٌ من السجينات السياسيات يعملن في المطبخ. تعرفتُ على إحداهن: امرأة فرنسية شاركتُ معها سريرًا في معسكر رافنسبروك. ركضتُ نحو السياج، مُمسكةً بشبكته السلكية بأصابعي، وابتسامة مُرتعشة على شفتيّ، سعيدةً برؤية وجهٍ مألوف. “ماري!” همستُ.
توقف. نظر إلى الفناء. نظر إلى المبنى بنوافذه المغلقة. ثم نظر إليّ. كانت نظراته مليئة بالاشمئزاز المطلق. لم يكن كرهًا يُكنّ للجلاد، بل احتقارًا يُكنّ للخائن. أدار رأسه وبصق على الأرض. “عاهرة!” همس من بين أسنانه قبل أن يكمل سيره.
وقفتُ ساكنةً، يداي متشبثتان بالسياج. لم أعد ضحيةً للنازيين. في نظر رفيقاتي السجينات، أصبحتُ متعاونةً، امرأةً ضائعةً باعت جسدها مقابل الطعام والدفء. كان هذا منفاي المزدوج. عاملنا حراس قوات الأمن الخاصة كأننا ماشيةٌ تُرمى، واعتبرنا رفاقنا منبوذين. كنا وحيدات، وحيداتٍ تمامًا. محبوساتٍ في مسلخٍ حيث لم يُطلب منا الموت دفعةً واحدة، بل أن نموت شيئًا فشيئًا كل مساء.
الغرفة رقم ٧. كان هذا عنواني، عالمي، قبري الذي تبلغ مساحته ١٢ مترًا مربعًا. كانت الغرفة معقمة ونظيفة بشكل مرعب. سرير حديدي، مرتبة رقيقة، طاولة صغيرة بجانب السرير، حوض من المينا مملوء بالماء البارد، وكرسي خشبي بسيط. لم تكن هناك نافذة تطل على الخارج، فقط كوة صغيرة مغلقة بالقرب من السقف تسمح بدخول تيار خفيف من الهواء البارد.
لكن مركز الثقل الحقيقي في تلك الغرفة كان الباب. باب ضخم وثقيل، به ثقب زجاجي سميك في المنتصف. لم يكن هذا الثقب لحمايتنا، بل كان عين الآلة الساهرة. كان حراس قوات الأمن الخاصة (إس إس) يجوبون الممر الطويل بلا انقطاع، وأحذيتهم تدق الأرض بانتظام مُرعب. كانوا يتوقفون أمام أبوابنا، ويضغطون وجوههم على الزجاج، ويراقبون. كانوا يتأكدون من استهلاك البضائع بشكل صحيح، ومن احترام قواعد المبنى الصارمة، ومن أن مصنع اللحوم يعمل بكامل طاقته دون أدنى خلل.
كان النظام بأكمله محكوماً بآلية بيروقراطية بحتة ومرعبة. رجال بوخنفالد – أولئك الذين وصلوا إلى قمة التسلسل الهرمي للسجن، الكابو، قادة الأقسام، رؤساء المطابخ – تلقوا “قسائم إضافية”، وهي عبارة عن قطعة ورق مستطيلة بسيطة مختومة من قبل إدارة المعسكر تخولهم قضاء 15 دقيقة بالضبط في مبنانا.
لم نكن بشرًا يُرغب بنا أو يُغازلنا. كنا مكافأة تُمنح لحسن السلوك، حافزًا للإنتاج كحصة إضافية من التبغ أو نصف نقانق. أتذكر ليلتي الأولى بوضوح لا يُطاق. خنقني الألم بشدة حتى كدتُ أختنق، وقلبي يدق بقوة على أضلاعي البارزة. كنتُ جالسة على حافة السرير، أرتدي ثوب نوم رماديًا بسيطًا وخشنًا.
فجأةً، دوّى جرسٌ حادٌّ، كجرس تغيير الورديات في مصانع المعادن، في أرجاء المبنى. كانت تلك هي الإشارة. تردد صدى صوت خافت لسحب المزاليج في الممر. استدار مقبض بابي. لم يكن الرجل الذي دخل وحشًا يصرخ. لم يكن حارسًا يرتدي زيًا أسودًا ويحمل سوطًا. كان سجينًا مثلي. كان يرتدي بيجامة مخططة ومثلثًا أخضر، كزيّ المجرمين العاديين. كان ضخمًا، وجهه أحمر، وملامحه منتفخة من كثرة الأكل، أكثر بدانةً بكثير من ملامح أي مُرحَّل عادي.
دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه، ووضع قسيمته على الكرسي الخشبي بنفس اللامبالاة التي يضع بها زبون باقيه على منضدة الجزار. لم ينبس ببنت شفة. كانت قوانين قوات الأمن الخاصة (إس إس) تمنع أي حديث، أي تبادل قد يذكرنا بأننا نملك روحًا أو صوتًا. حتى أنه لم ينظر إليّ. كنت هناك لأداء مهمة، لا أكثر. ثم فك حزامه.
لم يكن هناك سادية صاخبة، ولا غضب عارم، ولا حتى وحشية لفظية. لقد كان إعدامًا صامتًا، منهجيًا، وساحقًا. لم يكن الجزء الأسوأ هو الألم الجسدي، مع أن جسدي، الذي أضعفه شهور من الجوع والبرد في رافنسبروك، عانى ألمًا مبرحًا تحت وطأة وزنه وسرعته الآلية. كان الجزء الأسوأ، الرعب المطلق لتلك اللحظة، هو الإبادة الكاملة لإنسانيتي. اخترقني كأداة، وعيناه مثبتتان على الجدار المتقشر خلفي، ينتظر أن يفرغ جسده توتره. لم أكن سوى وعاء.
في منتصف الجلسة، سمعتُ صريرًا خفيفًا على الباب. أدرتُ رأسي، وضغطتُ خدي بقوة على المرتبة البالية. من خلف ثقب الباب، حدّقت بنا عين زرقاء باردة، تحمل مسحة من التسلية. كان حارس من قوات الأمن الخاصة يراقبنا. كان يتأكد من أن الكابو يؤدي واجبه وأنني أستسلم. لاحظ السجين ذلك أيضًا. أصبح تنفسه أبطأ قليلًا، لكنه لم يتباطأ. لم يختبئ. في تلك الغرفة، كان الحياء والكرامة ترفًا لم يعد له وجود.