في عام ١٩٧٨، استقبل طبيب متخصص في أمراض المستقيم في ميونخ، الدكتور فريدريش هارتمان، مريضًا غيّر فهمه لتاريخ الطب. كان الرجل يبلغ من العمر ٦٨ عامًا، وكان يسعى للعلاج من ألم مزمن عانى منه لأكثر من ٣٥ عامًا. ألمٌ حوّل كل زيارة للحمام إلى كابوس، ألمٌ لم يتحدث عنه مع أحد قط.

قال ببساطة: “يؤلمني التبرز. يؤلمني منذ عام ١٩٤٣”. شرع الدكتور هارتمان في الفحص. ما اكتشفه جعله عاجزًا عن الكلام. أظهر باطن جسد هذا الرجل آثار صدمات قديمة، وندوبًا، وتشوهات، وأضرارًا غير طبيعية بأي حال من الأحوال، أضرارًا لا يمكن أن تكون ناجمة إلا عن عنف متعمد ومتكرر ومنهجي.

سأل الطبيب: “ماذا حدث لك؟”. صمت المريض طويلًا، ثم بدأ يتكلم لأول مرة منذ ثلاثين عامًا. ما رواه في ذلك اليوم وفي الاستشارات اللاحقة كشف عن أحد أبشع أشكال التعذيب وأقلها توثيقًا التي مُورست على السجناء المثليين في معسكرات النازي.
تعذيبٌ لم يكن الهدف منه القتل، بل إحداث ندوبٍ دائمة، وترك أثرٍ دائم على جسد الضحية، ما يضمن أن كل يومٍ من حياتها، حتى بعد عقود، سيذكرها بما حدث لها. وقد صُدم الدكتور هارتمان من هذه الشهادة، فبدأ بالبحث عن حالاتٍ أخرى مماثلة.
في غضون خمس سنوات، عثر على ثلاثة وعشرين رجلاً متفرقين في أنحاء ألمانيا والنمسا عانوا من نفس الآثار اللاحقة. ثلاثة وعشرون ناجياً من نفس التعذيب. لم يُنشر هذا البحث خلال حياته قط. كان الموضوع من المحرمات، بل ومن المحرمات على المجلات الطبية في ذلك الوقت. لم يُنشر إلا في عام ٢٠٠٣، بعد وفاته، عندما عثرت ابنته على ملاحظاته وقررت نشرها.
ولأول مرة، علم العالم بما فعله النازيون فعلاً بالسجناء المثليين في بعض المعسكرات. لفهم ما حدث لهؤلاء الرجال، علينا أن نعود إلى ما قبل الحرب بزمن طويل. علينا أن نعود إلى عام ١٩٣٠، حين كانت ألمانيا لا تزال ديمقراطية؛ ديمقراطية هشة، بلا شك، لكنها ديمقراطية على أي حال.
في ذلك الوقت، كانت برلين عاصمة الحرية في أوروبا. فرغم المادة 175، القانون الذي يُجرّم المثلية الجنسية بين الرجال، كانت المدينة تفتخر بمشهدٍ نابضٍ بالحياة للمثليين: حانات، نوادي، مجلات، ومنظمات. وكان بإمكان الرجال العيش بحرية نسبية، على الأقل في بعض الأحياء.
كان ذلك عصر كريستوفر إيشروود، ومارلين ديتريش، والملاهي الليلية، والحرية الجنسية. كانت برلين منارة للمثليين في جميع أنحاء العالم. لكن هذه الحرية كان لها أعداء، وسرعان ما استولى هؤلاء الأعداء على السلطة. تبدأ هذه القصة في عام 1930 مع شاب يُدعى فيلهلم براون. وهو ليس حارس قوات الأمن الخاصة المذكور في روايات أخرى، بل مجرد شخص يحمل نفس الاسم.
كان فيلهلم يبلغ من العمر عشرين عامًا. كان يعيش في برلين وكان عاشقًا. كان اسم حبيبه كارل. التقيا في حانة في حي شونيبيرغ، الحي المثلي في برلين. عاشا معًا في شقة صغيرة. كانا يعملان في مصنع نسيج. كانا يحلمان بمستقبل يعيشان فيه بحرية.
في عام ١٩٣٠، بدا هذا المستقبل ممكنًا. بعد ثلاث سنوات، دُمر. في يناير ١٩٣٣، أصبح أدولف هتلر مستشارًا لألمانيا. بالنسبة لفيلهلم وكارل، وكذلك لآلاف الألمان المثليين، كانت تلك بداية النهاية. كان النازيون يكنّون كراهية شديدة للمثليين. بالنسبة لهم، لم تكن المثلية الجنسية مجرد خطيئة أو مرض.
كانوا يشكلون تهديدًا وجوديًا للرايخ. لم يكن للمثليين أطفال، ولم يساهموا في نمو العرق الآري. وفقًا للمنطق النازي، كانوا مخربين ديموغرافيين. منذ الأشهر الأولى للنظام، بدأت الإجراءات ضد المثليين. في فبراير 1933، أُغلقت الحانات والنوادي الخاصة بالمثليين.
حُظرت المجلات والصحف المحلية. نُهب معهد العلوم الجنسية، الذي أسسه ماغنوس هيرشفيلد، أحد رواد حقوق المثليين، وأُحرقت أرشيفاته. ظلّ فيلهلم يتذكر ذلك اليوم من شهر مايو طوال حياته، حين رأى كتب هيرشفيلد تحترق في الساحة العامة. ألقى الطلاب، الذين يرتدون زيًا بنيًا، الكتب في النيران وهم يهتفون بشعارات.
تصاعد الدخان في سماء برلين. “في ذلك اليوم،” كما روى لاحقًا، “أدركتُ أن عالمنا قد انتهى، وأن كل ما بنيناه سيُدمَّر.” أراد كارل الهرب. وتحدث عن باريس، وأمستردام، وأي مكان آخر غير ألمانيا. لكن فيلهلم تردد.
كان والداه يعيشان في برلين، وكان يعمل فيها، وكانت حياته كلها في برلين. كان يقول: “سيهدأ كل شيء، ولن يدوم النازيون في السلطة طويلًا، فالألمان شعب متحضّر، ولن يسمحوا لهؤلاء البرابرة بحكم البلاد”. لكنه كان مخطئًا تمامًا. ففي عام ١٩٣٥، عزز النازيون المادة ١٧٥ من الدستور.
كانت النسخة الجديدة من القانون أشد قسوة. ومنذ ذلك الحين، باتت مجرد نظرة خاطفة، أو إيماءة مبهمة، تُعتبر فعلاً جنسياً مثلياً يُعاقب عليه القانون. وتضاعفت أعداد السجون. واعتُقل آلاف الرجال، وحوكموا، وأُدينوا. واكتظت السجون. لكن السجون لم تكن سوى البداية.
لأن النازيين كانوا قد أعدوا مصيراً مختلفاً للمثليين: معسكرات الاعتقال. داخاو، ساكسنهاوزن، بوخنفالد، فلوسنبرغ، ماوتهاوزن… أسماء من الجحيم. عاش فيلهلم وكارل في خوف خلال تلك السنوات. توقفا عن رؤية بعضهما البعض في الأماكن العامة. عاشا في شقتين منفصلتين وكانا يلتقيان سراً، كالمجرمين.
قاموا معًا بتدمير جميع صورهم ورسائلهم، وكل ما يمكن أن يثبت علاقتهما. لكن الخوف لم يكن كافيًا لحمايتهما. في مارس 1938، وشى بهما أحدهم. ربما جار، أو زميل في العمل. لم يعرفا أبدًا من هو. وصل الجستابو وألقى القبض عليهما في اليوم نفسه، بفارق ساعات قليلة.
فيلهلم في العمل. كارل في المنزل. لم يتقابلا مجدداً. علم فيلهلم لاحقاً أن كارل قد أُرسل إلى معسكر بوخنفالد. توفي هناك عام ١٩٤٠، رسمياً بسبب الالتهاب الرئوي. أدرك فيلهلم معنى ذلك. لقد قُتل كارل. أما فيلهلم، فقد أُرسل إلى مكان آخر، إلى معسكر لم يسمع به من قبل.
معسكر فلوسنبرغ، حيث أجرى النازيون تجارب محددة على السجناء المثليين. يقع فلوسنبرغ في بافاريا، بالقرب من الحدود مع جمهورية التشيك. كان معسكر عمل قسري متخصصًا في استخراج الجرانيت. توفي آلاف السجناء هناك كل عام، منهكين من العمل في المحاجر.
لكن بالنسبة لسجناء المثلث الوردي، كان معسكر فلوسنبرغ يحمل ما هو أسوأ من العمل القسري. وصل فيلهلم إلى المعسكر في أبريل 1938. كان يبلغ من العمر 28 عامًا. كان يتمتع بصحة جيدة، قوي البنية، ومعتادًا على العمل اليدوي. ظن أنه قادر على النجاة. لم يكن يعلم بعد ما ينتظره. كانت الأسابيع القليلة الأولى عادية، إن جاز التعبير عن ذلك بالجحيم.