في عام ١٨٦٢، نشر طبيب الأعصاب الفرنسي دوشين دي بولون كتابه “آليات تعابير الوجه البشري”. كان هذا الرجل يعاني من اضطراب تخديري، ما يعني أنه لم يكن يشعر بأي إحساس في وجهه؛ فإذا نقرت على هذا الفيديو ظنًا منك أن هذا الرجل يشعر بالألم، فأنت ضحية لأسلوب الإثارة الرخيصة. لذا، فإن جميع التعابير التي تراها من صنع دوشين، حيث قام بصعق عضلات وجهه بالكهرباء، ما أجبرها على الانقباض بطرق مضبوطة. كل هذا مزيف؛ كل تعبير مزيف.من الغريب جدًا، على الأقل بالنسبة لي، أن أنظر إلى هذه الصور وأنا أعلم أنه لا يوجد أي شعور وراء أي من هذه التعابير؛ جميعها من صنع دوشين.

لكن ما الذي يجعل هذه التجربة صادمة إلى هذا الحد؟ حسنًا، كان دوشين دي بولون سابقًا لعصره لأنه اعتقد أن الوجه خريطة للمشاعر الإنسانية. كان دوشين عالم نفس قبل أن يُطلق عليه هذا الاسم. فقد اعتقد أن المشاعر الظاهرة على وجوه الناس تمثل خريطة للنفس البشرية، وأن نظريات المشاعر يمكن استنتاجها مما هو موجود بالفعل على الوجه. كان دوشين كاثوليكيًا؛ فقد آمن بأن الله خلق وجه الإنسان على هذا النحو، وليس هذا فحسب، بل أثبت، من وجهة نظر فسيولوجية بحتة، أن عضلات معينة تتوافق مع مشاعر معينة. في عصره، كان هذا اكتشافًا هائلًا.

إذا كنت مهتمًا بمعرفة المزيد عن أعمال دوشين، فقد أدرجت بعض الروابط في الوصف أدناه. كما أودّ أن أذكر أنه إذا كنت مهتمًا بمعرفة المزيد عن مواضيع شيّقة في علم النفس وحتى الفلسفة، فأوصيك بمتابعة قناتي المفضّلة؛ فهي القناة التي يجب عليك زيارتها. حسنًا، هذه طريقة صريحة لأقول لك اشترك في قناتي؛ فالترويج الذاتي لا يضرّ أحدًا، على أي حال.

لفهم أهمية عمل دوشين دي بولون فهمًا كاملًا، لا بد لنا من الغوص في السياق العلمي للقرن التاسع عشر. ففي ذلك الوقت، حين كانت علوم الأعصاب لا تزال في مهدها، مثّل استخدام الكهرباء لتحفيز الأنسجة الحية أحدث ما توصل إليه العلم. لم يكن دوشين يكتفي بالتقاط الصور، بل كان يسعى إلى عزل “حقيقة” النفس البشرية من خلال الانقباض الجلفاني. استخدم أقطابًا كهربائية لتنشيط عضلات محددة، كالعضلة الدويرية العينية أو العضلة الوجنية الكبيرة ، ليراقب كيف يُغيّر شكل الفم أو ثنية الجفن إدراك المُشاهد.
كان مريضه الرئيسي، الرجل الذي نراه في هذه الصور التاريخية، صانع أحذية مسنًا وصفه دوشين بأنه يتمتع بذكاء متوسط وانعدام تام للإحساس بالجلد، مما جعله الشخص المثالي لإجراء تجارب مطولة دون التسبب له بألم جسدي. هذا الانفصال بين التحفيز الكهربائي والشعور الفعلي خلق مفارقة بصرية: رأينا الرعب أو الفرح أو الألم، لكن الشخص ظل فارغًا من الداخل، مجرد غلاف بيولوجي يتم التلاعب به بواسطة التيار.
كان دوشين يؤمن إيمانًا راسخًا بأن كل عضلة في الوجه تخضع لقانون إلهي للتعبير عن عاطفة محددة. فبالنسبة له، لم يكن الوجه مجرد لحم وأعصاب، بل لغة كتبها الخالق. وقد أثرت هذه الرؤية تأثيرًا عميقًا في علماء عظام آخرين، بمن فيهم تشارلز داروين. استخدم داروين عدة صور لدوشين في كتابه الصادر عام ١٨٧٢ بعنوان “التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان”، مع أنه فسر النتائج من منظور التطور لا اللاهوت. فبينما رأى دوشين يد الله، رأى داروين استمرارية بيولوجية بين الأنواع.
لا يزال إرث هذا البحث حاضرًا في علم النفس الحديث والذكاء الاصطناعي. فعندما تحاول برامج التعرف على الوجوه تحديد حالتنا المزاجية، فإنها تعتمد بشكل كبير على رسم خرائط عضلات الوجه التي بدأ دوشين بتصنيفها بشكل منهجي منذ أكثر من قرن ونصف. وقد سُميت “ابتسامة دوشين” الشهيرة، وهي الابتسامة الحقيقية التي لا تقتصر على الفم فحسب، بل تشمل أيضًا تضييق العينين، نسبةً إليه، لأنه كان أول من ميّز بين الابتسامة المصطنعة والابتسامة العفوية بناءً على تنشيط العضلات اللاإرادي.
إن استكشاف هذه الحدود الفاصلة بين علم وظائف الأعضاء وعلم النفس يُمكّننا من التأمل في مدى وضوح جوهرنا للعالم الخارجي. ولا يزال قناع دوشين، المصنوع من أسلاك كهربائية وبصبر علمي، أحد أكثر الوثائق إثارةً للدهشة والقلق في تاريخ الطب. فهو يدعونا إلى التساؤل: هل تُحدد تعابير وجوهنا مشاعرنا، أم أنها مجرد نتاج نبضات كهربائية تسري في جهازنا العصبي؟ ولعلّ الإجابة تكمن في تلك المنطقة الوسطى التي سعى دوشين جاهداً إلى رسم خريطتها.
بالنظر إلى اتساع نطاق بحثه، لا يمكننا إغفال الجانب الفني للوحاته الفوتوغرافية. فقد تعاون مع المصور أدريان تورناشون لالتقاط اللحظة العابرة لانقباض العضلات، وهي مهمة شاقة بالنظر إلى تقنيات ذلك الوقت التي كانت تتطلب فترات تعريض طويلة. هذه الصور ليست مجرد بيانات علمية، بل هي أعمال فنية تجسد جوهر الإبداع البشري. يُبرز التباين بين الضوء والظل كل تجعيدة، وكل توتر، محولًا وجه المريض إلى منحوتة حية، شاهدة على فضول الإنسان الذي لا يشبع تجاه طبيعته.
في نهاية المطاف، يُعلّمنا عمل دوشين دي بولون أن فهم الإنسان غالبًا ما يتطلب النظر إلى ما وراء الظاهر، مع إدراك أن الظاهر نفسه -الوجه- هو أرقّ حجاب وأكثرها كشفًا لما نملكه. من خلال مواصلة دراسة هذه الأصول، يُمكننا تقدير تعقيد التواصل غير اللفظي بشكل أفضل، والبنية المذهلة التي تسمح لنبضة كهربائية بسيطة بالتحوّل إلى رسالة حب أو خوف أو أمل.
لكن ما الذي يجعل هذه التجربة صادمة إلى هذا الحد؟ حسنًا، كان دوشين دي بولون سابقًا لعصره لأنه اعتقد أن الوجه خريطة للمشاعر الإنسانية. كان دوشين عالم نفس قبل أن يُطلق عليه هذا الاسم. فقد اعتقد أن المشاعر الظاهرة على وجوه الناس تمثل خريطة للنفس البشرية، وأن نظريات المشاعر يمكن استنتاجها مما هو موجود بالفعل على الوجه. كان دوشين كاثوليكيًا؛ فقد آمن بأن الله خلق وجه الإنسان على هذا النحو، وليس هذا فحسب، بل أثبت، من وجهة نظر فسيولوجية بحتة، أن عضلات معينة تتوافق مع مشاعر معينة. في عصره، كان هذا اكتشافًا هائلًا.