لطالما حظيت لوحة “العشاء الأخير” لليوناردو دافنشي، على مرّ القرون، بالاهتمام والدراسة والترميم والتفسير باعتبارها إحدى روائع تاريخ الفن الغربي. فقد خضعت كل حركة من حركات الرسل، وكل نظرة، وكل خط من خطوط المنظور لتحليل دقيق من قبل المؤرخين واللاهوتيين والمرممين. إلا أنه، وفقًا لبعض الأبحاث الحديثة المتداولة على نطاق واسع في وسائل الإعلام، ربما نكون قد أسأنا فهم عنصر أساسي من عناصر هذه اللوحة.

لن تكون هذه رموزًا خفية أو استعارات دقيقة، بل كلمات حقيقية، وعبارات كاملة مكتوبة بالمقلوب، مخفية تحت طبقات من الطلاء، والتي كان من الممكن أن يحددها الذكاء الاصطناعي أثناء تحليل متقدم للجدارية.
أثارت هذه الأخبار، التي انتشرت في البداية في الأوساط الأكاديمية ثم تضخمت عبر وسائل الإعلام الرقمية، ردود فعل متباينة. فمن جهة، هناك حماس بين من يرون في التكنولوجيا أداة جديدة قادرة على كشف أسرار ظلت مدفونة لخمسة قرون؛ ومن جهة أخرى، هناك تشكيك من جانب العديد من الخبراء الذين يحثون على توخي الحذر. يُعد ليوناردو دافنشي ربما الفنان الأكثر تدقيقًا في التاريخ، وأي اكتشاف مزعوم عنه يُثير حتمًا ضجة كبيرة.
ينبع المشروع المحوري لهذا النقاش من تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي المدربة على تحليل الصور فائقة الدقة. تتميز هذه الخوارزميات بقدرتها على تحديد الأنماط والعيوب والآثار غير المرئية للعين المجردة، لا سيما في الأعمال الفنية التي تضررت بمرور الزمن، مثل لوحة العشاء الأخير، التي لا تُعد لوحة جدارية تقليدية، بل لوحة جدارية أُنشئت باستخدام تقنية تجريبية. وقد أدى هذا الضعف تحديدًا إلى خضوع العمل للعديد من عمليات الترميم والتغطية والتصحيح والإضافات على مر الزمن.
بحسب مؤلفي الدراسة، رصد الذكاء الاصطناعي تسلسلات من الرموز تحت طبقات الطلاء، مما مكّنه من تتبع الحروف والكلمات، مرتبة بشكل معكوس. هذه السمة تُذكّر حتمًا بإحدى أشهر سمات ليوناردو: الكتابة المعكوسة، وهي سمة شائعة في دفاتره. وقد ساهم هذا التفصيل في ترجيح أن تكون الرسالة أصلية من ليوناردو وليست نتاج تأويلات عشوائية.
لكن هنا تحديدًا ينشأ أول جدل كبير. يشير العديد من مؤرخي الفن إلى أن تحديد أشكال تشبه الحروف في طبقات الطلاء المتدهورة يُعدّ خطرًا معروفًا، مرتبطًا بظاهرة الباريدوليا. الذكاء الاصطناعي، رغم كونه أداة قوية، ليس بمنأى عن هذه المشكلة: فإذا دُرِّب على “البحث عن كلمات”، فسيميل إلى العثور عليها حتى في الأماكن التي لا يوجد فيها سوى شقوق أو ترميمات أو عيوب سطحية.

لم تُنشر العبارات التي يُزعم فك رموزها كاملةً وبطريقة قابلة للتحقق، مما زاد من حدة الجدل. وتصف بعض التقارير رسائل ذات مضمون لاهوتي غامض، تتحدى التفسيرات التقليدية لمشهد العشاء الأخير. هذا الغموض تحديدًا هو ما دفع البعض للحديث عن قلق الفاتيكان أو حتى خوفه من هذا الاكتشاف. في الواقع، لم تؤكد المصادر الرسمية أي رد فعل مؤسسي من هذا القبيل.
تاريخيًا، واجهت الكنيسة العديد من التفسيرات الجديدة للنصوص المقدسة دون أن تستسلم للذعر أو الرقابة. ويذكرنا الباحثون المقربون من الأوساط الكنسية بأن العشاء الأخير، قبل كل شيء، عمل فني، وليس وثيقة عقائدية. حتى لو أضاف ليوناردو ملاحظات أو تمارين فكرية أو تأملات شخصية، فإن هذا لا يُعدّ تلقائيًا “إعادة كتابة للتاريخ”، بل دليلًا إضافيًا على عبقرية عصر النهضة.
هناك عنصر آخر يُغفل عنه غالبًا في التغطية الإعلامية، ألا وهو المنهج العلمي. فنتائج التحليل لم تُنشر بعد في مجلات علمية محكمة، ولم تخضع لمراجعة مستقلة كاملة. هذا لا يعني بالضرورة أنها خاطئة، لكنها لا تزال بحاجة إلى اجتياز المراحل الأساسية للتحقق الأكاديمي. في عالم البحث العلمي، وخاصةً فيما يتعلق بالأعمال الرائدة، غالبًا ما تسبق الإعلانات العامة عملية التحقق الدقيق بفترة طويلة.
يُعدّ استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الأعمال الفنية مجالًا سريع التطور. وقد مكّنت تقنيات مماثلة الباحثين سابقًا من تحديد الرسومات التحضيرية أسفل اللوحات الشهيرة، ونسبة الأعمال الفنية المتنازع عليها، وإعادة بناء الأجزاء المفقودة. وفي هذا السياق، تُمثّل لوحة العشاء الأخير حالة اختبارية مهمة، ليس فقط لما قد تكشفه، بل أيضًا لكيفية إيصال هذه الاكتشافات إلى الجمهور.

يكمن الخطر، بحسب العديد من الخبراء، في تحويل الأبحاث التي قد تكون مثيرة للاهتمام إلى روايات مثيرة للجدل. عبارات مثل “لقد ظهرت الحقيقة أخيرًا” أو “إنهم يعيدون كتابة التاريخ” تلقى رواجًا على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها تبسط عمليةً بطيئة ومعقدة بطبيعتها. لا يُعاد كتابة تاريخ الفن باستخدام خوارزمية، بل من خلال المقارنة النقدية للمصادر والبيانات والتفسيرات.
لا يُغيّر هذا من حقيقة أن ليوناردو دافنشي كان لديه اهتمام عميق بالطبقات الخفية للمعرفة. فكتاباته مليئة بالألغاز والتلاعب بالألفاظ والإشارات والتأملات التي تتحدى القراءة السطحية. لذلك، من المفهوم أن فكرة وجود رسالة خفية في لوحة العشاء الأخير تُثير فضول الملايين. لكن ثمة فجوة بين الانبهار واليقين لا يُمكن ردمها بالحماس التكنولوجي وحده.
بعد مرور خمسمائة عام على رسمها، لا تزال لوحة العشاء الأخير تُشكّل تحديًا لحاضرنا. ربما ليس لأنها تحتوي على أسرارٍ ستُزلزل العالم، بل لأنها تعكس حاجتنا الدائمة لإيجاد معنى جديد لما نظن أننا نعرفه. في هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي مرآةً: فهو يُرينا الاحتمالات، ويطرح التساؤلات، لكنه لا يُقدّم لنا حقائق مُطلقة.
لا يكمن التحدي الحقيقي اليوم في اكتشاف ما إذا كان ليوناردو قد أخفى كلمات تحت الطلاء، بل في التمييز بين البحث الجاد والإيحاء السردي. فإذا أكدت دراسات لاحقة وجود نقوش مقصودة، فسنواجه اكتشافًا ذا أهمية تاريخية بالغة. أما إذا تبين، من جهة أخرى، أنها مجرد وهم ناتج عن الخوارزميات والتوقعات، فسيظل ذلك درسًا مهمًا حول كيفية تداخل التكنولوجيا والفن والتواصل في عالمنا المعاصر.
على أي حال، هناك أمر واحد مؤكد: لم تنتهِ لوحة العشاء الأخير من مخاطبة مشاهديها. ولعلّ أقوى رسائلها لا تكمن تحت طبقات الطلاء، بل في الحوار المستمر بين الماضي والحاضر الذي لا تزال هذه اللوحة تُثيره.