اسمي تاتيانا إيفانوفنا بيلوفا. جواز سفري يُشير إلى أن عمري 94 عامًا، لكن في الحقيقة توقفت حياتي عندما كنت في العشرين من عمري. لم أعش منذ ذلك الحين. أنا موجودة فحسب، أعيش هذه الفترة الزمنية اللانهائية التي خصّصها لي القدر. التزمت الصمت لمدة 74 عامًا. لم أخبر زوجي، ولا أولادي، ولا حتى الكاهن أثناء الاعتراف.

في الاتحاد السوفيتي، لم يكن النجاة من الأسر الألماني مصدر فخر، بل كان عارًا. كنا نُعتبر خونة. لماذا أنتم أحياء بينما مات الآخرون؟ ما الثمن الذي دفعتموه مقابل حياتكم؟ طُرحت عليّ هذه الأسئلة في مكاتب المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية الباردة بعد الحرب بفترة وجيزة. وتعلمت حينها التزام الصمت.

أصبح الصمت جلدي الثاني، ملجئي، سجني. لكن الآن، وقد بات جسدي هشًا كجليد رقيق في نهر ربيعي، أدرك أنني إن رحلت دون أن أنطق بكلمة، سينتصر الكذب، سينتصر النسيان. والنسيان هو الشيء الوحيد الذي سعى إليه قتلتنا حقًا. لهذا أتحدث اليوم، أتحدث باسمي، باسم أوليا، باسم فيرا، باسم زينة، وباسم كل أولئك النساء اللواتي ذابت أسماؤهن في مياه التاريخ الجليدية وصمته.

قبل الحرب، كنت فتاة عادية من قرية قرب مينسك. كانت القرية تُدعى كراسني بور، وهي قرية صغيرة ذات بيوت خشبية، وبئر في شارعها الرئيسي، وكنيسة حوّلها البلاشفة إلى مخزن. كنت أحلم بأن أصبح طبيبة، أرتدي معطفًا أبيض، وتفوح مني رائحة اليود والنظافة. كان شعري أشقرًا طويلًا مضفرًا، وكانت أمي تفتخر به كثيرًا.
كانت جدتي تضفر شعري كل صباح قبل المدرسة وتقول: “تانيا، أنتِ جميلة كشجرة البتولا”. وكان أبي يسمي ضحكتي جرسًا. كان يعمل سائق جرار في مزرعة جماعية، ويعود إلى المنزل متعبًا، مغطى بالزيت والتراب، لكنه كان يبتسم لي دائمًا. كان لي أخ أصغر، اسمه كوليا. كان عمره 14 عامًا فقط عندما بدأت الحرب.
كان يعشق صيد السمك في النهر ويحلم بأن يصبح طيارًا. أتذكر صيف عام ١٩٤١ كأنه البارحة. رائحة العشب الدافئ تحت أشعة الشمس، والغبار على الطريق الريفي، وطعم الحليب الطازج في العلبة. لم نكن نعلم أن ذلك سيكون آخر صيف في طفولتنا. لم نكن نعلم أن السماء ستسودها الأدخنة والأرض ستحمر بالدماء قريبًا.
عندما أُعلن عن بدء الحرب عبر الراديو في الثاني والعشرين من يونيو عام ١٩٤١، نهض والدي بصمت من على الطاولة وذهب للتطوع في الميليشيا. بكت أمي، متمسكة بحافة الطاولة كي لا تسقط. أما أنا فلم أبكِ. لم تكن هناك دموع في داخلي، بل كراهية باردة نافذة لأولئك الذين جاؤوا لتدمير حياتنا.
وصل الألمان بسرعة. كان جيشنا في حالة تراجع. رأيتُ طوابير من اللاجئين على الطرقات، وعربات محملة بالحزم، وأطفالاً يبكون من الجوع. رأيتُ بيوتنا تحترق، وجيراني يُشنقون في الساحة المركزية لإخفائهم جنودًا جرحى من الجيش الأحمر. شنقوهم ببطء، لم يكسروا أعناقهم، بل أرواحهم.
وبقي الجنود الألمان متمركزين في الجوار، يدخنون ويضحكون ويلتقطون صورًا للجثث كتذكارات. لم يكن لديّ وقت للإخلاء. والداي مفقودان. لم أعرف أبدًا ما حدث لهما. أُخذ أخي كوليا من قبل الألمان للعمل في ألمانيا. اختفى. كنت وحيدًا تمامًا.
ذهبتُ إلى الغابة للانضمام إلى المقاومة. حدث ذلك في خريف عام ١٩٤٢. قُبلتُ في الوحدة لأني كنتُ قد أتممتُ دورات في التمريض. أصبحتُ راهبة، مع أن الرحمة كانت نادرة في تلك الغابة. حرب العصابات قصة بشعة عن الأبطال. إنها قذارة، وبرد، وجوع، وخوف دائم. عشنا في ملاجئ تحت الأرض مدفونة في التربة المستنقعية.
كان المكان رطباً دائماً، تفوح منه رائحة العفن ودخان التبغ. تعلمتُ تضميد الجروح بخرق متسخة، واستخراج الرصاص دون تخدير، وإطلاق النار بمسدس والتر ألماني مُستولى عليه، وتحمل جوعٍ جعل معدتي تلتصق بعمودي الفقري. تعلمتُ ألا أبكي حين يموت الرجال بين ذراعي وهم يهمسون بأسماء زوجاتهم وأطفالهم. كانت صديقتي المقربة، أوليا سميرنوفا، في الوحدة. كنا متقاربتين في العمر.
كانت أوليا في الثانية والعشرين من عمرها. كانت امرأة قوية البنية، عريضة الكتفين وذات ذراعين قويتين. قبل الحرب، عملت في مزرعة جماعية، تحلب الأبقار وتحمل أكياس الحبوب. كان وجهها خشناً، لكن عينيها الرماديتين كانتا حنونتين. أنقذت أوليا حياتي مرتين. في إحداهما، سحبتني من تحت نيران الألمان عندما حاصروا مجموعتنا في الغابة.
مرة أخرى، شاركتني آخر قطعة خبز لديها بينما كنتُ مستلقيةً هناك، أعاني من الحمى والهذيان. تركت أوليا طفلين في المنزل: فانيتشكا وماشينكا. كانت تتحدث عنهما طوال الوقت. تانيوشا، هل تعتقدين أنهما يتذكرانني؟ كانت فانيتشكا في الخامسة من عمرها فقط عندما غادرت. هل يُعقل أنها نسيت صوت أمها؟ وعدتها بأننا سنعود إلى المنزل حتمًا، وأن الحرب ستنتهي قريبًا. لقد كذبت.
لم أكن أعلم أنني سأشهد، بعد بضعة أشهر، موتها في الماء المتجمد دون أن أتمكن من إنقاذها. أُسرنا في شتاء عام ١٩٤٣، خلال عملية تطويق ألمانية واسعة النطاق. كانت عملية لتطهير الغابات من المقاتلين. حاصر الألمان منطقة شاسعة، وطردوا السكان المحليين، وبدأوا بتفتيش كل قرية، وكل ملجأ، وكل خندق. لقد خُنّا.
أشار أحد القرويين، ممن تعرضوا للتعذيب على يد الألمان، إلى معسكرنا. أتذكر ذلك اليوم بتفاصيله الدقيقة. كان فجر يناير بارداً. سمعنا نباح الكلاب، تلاه أوامر قاسية بالألمانية، بدت كأنها نباح، كزئير حيوان. حاولنا الهرب، لكننا كنا محاصرين من كل جانب.
أتذكر ارتطام مؤخرة البندقية بوجهي. انقلب العالم رأسًا على عقب. سقطتُ على الثلج. طعم الدم في فمي، طنين في أذني، أيادٍ خشنة لوت ذراعيّ خلف ظهري، برودة معدن الأصفاد على معصميّ. لم نُقتل في الحال. كان الألمان بحاجة إلى مزيد من القوة البشرية.
كنا نحن، نحن المقاتلات، نُعتبر خطرات للغاية. جرّدونا من ملابسنا في الثلج لتفتيشنا بحثًا عن أسلحة أو وثائق. أتذكر ذلك العار، الذي كان أشدّ وطأةً من البرد. وقف الجنود الألمان حولنا، ينظرون إلينا، يضحكون ويتلفظون بكلمات بذيئة بلغتهم. بصق أحدهم في وجهي، وركلني آخر في بطني، فانحنيت على نفسي وكتمت أنفاسي لعدة دقائق.
أجبرونا على ارتداء فساتيننا القديمة الممزقة، وسرنا على طريق مغطى بالثلوج. مشينا لعدة أيام. من أغمي عليه من الضعف، أُطلق عليه النار في الحال. رأيت امرأة مسنة تُقتل بالرصاص لأنها لم تعد قادرة على المشي. تُركت جثتها ملقاة على الثلج. ولم يكن لأحد الحق حتى في النظر إلى الوراء. اقتيدنا إلى محطة القطار، وحُبسنا في عربات الشحن كالمواشي.
كانت العربة ضيقة للغاية من الداخل لدرجة أن الموتى كانوا يرقدون بجانب الأحياء، عاجزين عن السقوط. لم تكن هناك نوافذ، ولا ضوء، ولا هواء. لم يكن هناك سوى فتحة صغيرة تحت السقف، يتسرب منها ضوء خافت. سافرنا لأربعة أيام بلا ماء، بلا طعام، في ظلام دامس. كانت العربة تتأرجح على مفاصل القضبان.
نعم، نعم، نعم، نعم، نعم، نعم. ذلك الإيقاع محفور في ذاكرتي. حتى اليوم، عندما لا أستطيع النوم ليلاً، أسمع ذلك الدقات. نعم، نعم، نعم، نعم. مات الناس هناك في العربة، من البرد، من المرض، من اليأس. كانت رائحة الموت كثيفة لدرجة أنها كانت ملموسة، تكاد تخنقني. أمسكت أوليا بيدي.
همست بدعاء، رغم أنها كانت قبل الحرب عضوة في الكومسومول ولم تكن تؤمن بالله. “أبانا الذي في السماوات”. كان صوتها يرتجف، لكنه كان الشيء الوحيد الذي منعني من الجنون. عندما فُتحت أبواب العربة أخيرًا، لامس هواء بولندا البارد رئتيّ كسكين. أخذت نفسًا عميقًا وسعلتُ.
كان الضوء ساطعًا لدرجة أن عينيّ دمعتا. صاح الألمان: “اخرج، بسرعة! اخرج!” ضربونا بالعصي، وألقوا بنا من العربات. أما من لم يستطع المشي بمفرده، فسُحب وأُلقي به مباشرةً على الرصيف. رأيتُ أسلاكًا شائكة، وأبراج مراقبة، وثكنات خشبية طويلة.
أدركتُ أننا توقفنا عند معسكر اعتقال، مكانٌ قلّما يعود منه أحدٌ حيًا. كنا مصطفّين في ساحة العرض. كانت مساحةً شاسعةً، مُسوّاةً حتى أصبحت كالحجر، مُحاطةً بثكناتٍ وأسلاكٍ شائكة. كانت هناك لافتةٌ باللغة الألمانية فوق البوابة. لم أفهم ما كُتب عليها، لكنني عرفتُ لاحقًا: “العمل يُحرّر”.
يا لها من كذبة شنيعة! لم يُحررنا العمل هنا، بل قتلنا ببطء ومنهجية، يومًا بعد يوم. أُجبرنا على الوقوف عراةً في البرد القارس. أتذكر ذلك الخزي الذي لم يزول أبدًا، حتى عندما اتضح أن الكرامة الإنسانية لا قيمة لها هناك. كان الحراس والمشرفون الألمان، والنساء بزيّهن الرمادي ووجوههن الجامدة، يسيرون بيننا، ينظرون إلينا كما لو كنا بضائع في سوق.
فحصنا طبيب، رجل ألماني يرتدي معطفًا أبيض ونظارة وشاربًا مهذبًا. بدا ذكيًا، بل ودودًا، لكن يديه كانتا باردتين كالمعدن. نظر داخل أفواهنا، وفحص أسناننا، وتحسس أيدينا، وتأكد من وجود أي عضلات قادرة على العمل. دوّن ملاحظات في دفتر ملاحظاته.
أرسل على الفور بعض النساء إلى اليسار. لم أكن أعلم حينها أن هذا يعني الموت. عرفت ذلك لاحقًا. حُلق رأسي. تساقطت ضفائري الشقراء، فخر أمي، في الثلج المتسخ. مع شعري، سُلب اسمي وهويتي وتاريخي. لم أعد تاتيانا إيفانوفنا بيلوفا. أصبحت الرقم 4089. مجرد أرقام على قطعة قماش متسخة مخيطة على صدري.
أعطونا بذلات مخططة لم تُدفئنا على الإطلاق. كان قماشها رقيقًا وخشنًا. فركت جلدها حتى سال الدم. أعطونا قطعًا من الخشب بدلًا من الأحذية. تجمدت قدماها داخلها، لدرجة أن أصابع قدميها فقدت الإحساس وتحولت إلى اللون الأسود من قضمة الصقيع. اقتادونا إلى الثكنات.