
هذه رواية زينة فورونينا الشخصية، كتبتها عام ١٩٩٦. لمدة عام كامل، تجنبت الكشف عما مرت به في ألمانيا، حاملةً هذا العبء في أعماق روحها. هذه كلماتها: اسمي زينة فورونينا. اليوم أبلغ من العمر ٧٤ عامًا، ولأول مرة منذ ٥١ عامًا، قررت أن أبوح بما كان يغلي في داخلي طوال هذه المدة.
على مدى 51 عامًا، كنت أغفو وأستيقظ في صمتٍ مطبق، أخشى أن أنطق بكلمة واحدة، فتقتحم حياتي الماضية بيتي وتسلبني مرة أخرى حقي في أن أكون إنسانًا. لماذا أتكلم الآن؟ ربما لأن الظلال تطول وأشعر برحيلي يقترب، وأن هذه الحقيقة يجب ألا تختفي معي في التراب البارد. ترتجف يداي وأنا أمسك هذا الميكروفون، لكن قلبي ينبض بهدوء. إنه مستعد.
أريدكم أن تسمعوا ليس فقط قصة حرب، بل قصة كيف يمكن لمسطرة بسيطة طولها ست بوصات أن تتحول إلى أداة قادرة على تدمير روح فتاة صغيرة. قبل أن يتحول العالم إلى رماد وأسلاك شائكة، كنتُ شخصًا آخر.

أتذكر نفسي في التاسعة عشرة من عمري، فتاة صغيرة أعيش في قرية صغيرة قرب ليموج، في قلب فرنسا. كان لديّ ضفائر شقراء طويلة كنت أفتخر بها كثيرًا. لطالما قالت أمي إن عينيّ تعكسان سماء قريتنا بأكملها. عشنا حياة بسيطة، لكن تلك البساطة كانت تنبض بالدفء. كان والدي نجارًا. ولا يزال الهواء يفوح برائحة نشارة الخشب الطازجة وراتنج الصنوبر. كانت أمي تُطرز مفارش المائدة ومناشف المطبخ، ولا زلت أتذكر صوت إبرتها وهي تخترق القماش السميك في الأمسيات الهادئة. كنت أحلم بأن أصبح مُعلمة.
كنتُ أرغب في قراءة القصائد للأطفال وإطلاعهم على العالم من خلال خريطة كبيرة في مدرسة القرية. في أواخر ربيع عام ١٩٤١، اشتريتُ لنفسي فستانًا جديدًا. كان لونه أزرق فاتحًا بياقة بيضاء، وشعرتُ وكأنني أجمل امرأة في العالم وأنا أرتديه. أتذكر ركضي بذلك الفستان إلى الحفل، ووزنه يلامس ركبتيّ برفق، مما منحني شعورًا بالحياء والنقاء. لم أكن لأتخيل أبدًا أنه بعد عام، سيصبح مفهوم طول الفستان نفسه مصدرًا للخجل بالنسبة لي.
لم تندلع الحرب فجأة، بل تسللت إلينا عبر أصواتٍ غريبة ووجوهٍ متوترة للكبار. لكن حين دخلت بيتنا، فاحت منها رائحة الدخان والتبغ الرخيص للجنود الأجانب. كان الاحتلال عذابًا بطيئًا. اختفى الخبز أولًا، ثم الضحكات، وأخيرًا اختفى الناس أنفسهم. في عام ١٩٤٢، بدأ الألمان بجمع الشباب. حُشرنا في ساحة القرية كالمواشي. أتذكر نظرات الضابط الباردة وهو يشق طريقه بين الصفوف، مشيرًا إلى من يراهم أقوياء بما يكفي للعمل في خدمة الرايخ. بكت أمي بكاءً شديدًا حتى فقدت صوتها.
تشبث بيدي، لكن مؤخرة البندقية أرخت قبضته. كانت تلك آخر دفء شعرت به من شخص عزيز. كنا محشورين في عربات الشحن. في الداخل، لم يكن هناك متسع إلا للوقوف أو الجلوس بالتناوب على الأرضية الترابية. كان الهواء مشبعًا برائحة البول والخوف والمعدن الصدئ. سافرنا لعشرة أيام، عشرة أيام من المجهول، لم يقطعها سوى دويّ العجلات المتواصل.
لم نكن نعرف إلى أين يأخذوننا، لكن كل كيلومتر كنا نبتعد به أكثر عن المكان الذي كنا فيه. كنتُ أحمل حزمة صغيرة من أغراضي، وكان بداخلها هذا الفستان الأزرق. كان هذا الفستان هو صلتي الوحيدة بالماضي.
عندما انفتحت أبواب عربة القطار، غمرنا ضوء ساطع ونباح الكلاب. كانت ألمانيا: باردة، منظمة لدرجة البؤس، وغير مبالية تمامًا بمعاناتنا. اقتيدنا إلى معسكر عمل. كان الهواء مشبعًا برائحة الفحم والحموضة الكيميائية. أحاط بنا جنود يرتدون بزات رمادية. كانت أحذيتهم تلمع بشدة حتى أننا رأينا انعكاساتنا المذعورة فيها. هناك، في الساحة المتربة، رأيت هذا الرجل لأول مرة. كان اسمه هانز. كان المشرف المسؤول عن الانضباط وتوزيع العمل في ثكناتنا.
كانت تحمل في يدها دائمًا مسطرة خشبية، مسطرة عادية كتلك التي يستخدمها الأطفال في المدرسة. لكن هنا، كانت أشد رعبًا من أي سلاح. دُفعنا إلى الثكنات. كانت الجدران رمادية. كانت الأسرّة مجرد أسرة خشبية بطابقين. لكن الأمر الأكثر فظاعة كان التفتيش الأول. أُجبرنا على خلع ملابسنا بالكامل. فتيات عاريات في غرفة متجمدة تحت نظرات الحراس المُلحّة. كان هذا أول تجريد لإنسانيتنا. لم ينظروا إلينا كنساء، بل كأشياء.
لكن هنا، كان الأمر أشد رعباً من أي سلاح. دُفعنا إلى الثكنات. كانت الجدران رمادية. لم تكن الأسرّة سوى أسرة خشبية من ثلاثة طوابق. لكن الأمر الأكثر فظاعة كان التفتيش الأول. أُجبرنا على خلع ملابسنا بالكامل. فتيات عاريات في غرفة متجمدة تحت نظرات الحراس المُلحّة. كان هذا أول تجريد لإنسانيتنا. لم ينظروا إلينا كنساء، بل كأشياء.
أتذكر نفسي في التاسعة عشرة من عمري، فتاة صغيرة أعيش في قرية صغيرة قرب ليموج، في قلب فرنسا. كان لديّ ضفائر شقراء طويلة كنت أفتخر بها كثيرًا. لطالما قالت أمي إن عينيّ تعكسان سماء قريتنا بأكملها. عشنا حياة بسيطة، لكن تلك البساطة كانت تنبض بالدفء. كان والدي نجارًا. ولا يزال الهواء يفوح برائحة نشارة الخشب الطازجة وراتنج الصنوبر. كانت أمي تُطرز مفارش المائدة ومناشف المطبخ، ولا زلت أتذكر صوت إبرتها وهي تخترق القماش السميك في الأمسيات الهادئة. كنت أحلم بأن أصبح مُعلمة.
كنتُ أرغب في قراءة القصائد للأطفال وإطلاعهم على العالم من خلال خريطة كبيرة في مدرسة القرية. في أواخر ربيع عام ١٩٤١، اشتريتُ لنفسي فستانًا جديدًا. كان لونه أزرق فاتحًا بياقة بيضاء، وشعرتُ وكأنني أجمل امرأة في العالم وأنا أرتديه. أتذكر ركضي بذلك الفستان إلى الحفل، ووزنه يلامس ركبتيّ برفق، مما منحني شعورًا بالحياء والنقاء. لم أكن لأتخيل أبدًا أنه بعد عام، سيصبح مفهوم طول الفستان نفسه مصدرًا للخجل بالنسبة لي.
لم تندلع الحرب فجأة، بل تسللت إلينا عبر أصواتٍ غريبة ووجوهٍ متوترة للكبار. لكن حين دخلت بيتنا، فاحت منها رائحة الدخان والتبغ الرخيص للجنود الأجانب. كان الاحتلال عذابًا بطيئًا. اختفى الخبز أولًا، ثم الضحكات، وأخيرًا اختفى الناس أنفسهم. في عام ١٩٤٢، بدأ الألمان بجمع الشباب. حُشرنا في ساحة القرية كالمواشي. أتذكر نظرات الضابط الباردة وهو يشق طريقه بين الصفوف، مشيرًا إلى من يراهم أقوياء بما يكفي للعمل في خدمة الرايخ. بكت أمي بكاءً شديدًا حتى فقدت صوتها.