في 30 أبريل 1945، لم تعد برلين مدينة، بل تحولت إلى جحيم مستعر. قصفت المدفعية السوفيتية بلا هوادة، محولة أحياءً بأكملها إلى أكوام من الأنقاض المتفحمة. في ملجأ الفوهرر تحت الأرض، كان أدولف هتلر ينتظر النهاية. كان الرايخ الثالث ينهار ساعةً بعد ساعة، ومعه مصير أولئك الذين دعموه لأكثر من عقد.

بالنسبة لمعظم قادة النازية، كانت الخيارات محدودة وقاسية. اختار بعضهم الانتحار، وحاول آخرون التفاوض على استسلامات مستحيلة، وفرّ قليل منهم دون خطط واضحة، مستغلين حالة الارتباك التي سادت الانهيار. لكن كان هناك رجل واحد لم يتصرف باندفاع ولا بدافع اليأس، رجل تنبأ بهذه اللحظة قبل سنوات، ونفّذ عملية هروب دقيقة للغاية، لدرجة أن مصيره ظلّ لثمانية عقود أحد أعظم ألغاز الحرب العالمية الثانية. كان اسمه الأدميرال فيلهلم هوفمان.

لم يكن هوفمان شخصية عامة. لم يظهر في الخطابات أو على ملصقات الدعاية. لم يسعَ إلى الأضواء. كانت قوته تكمن في اللوجستيات، في الحركة الصامتة للموارد والرجال والسفن. وبصفته المسؤول الأول عن عمليات الغواصات الألمانية، كان يُسيطر على الطرق والموانئ والأطقم. كان يعلم بدقة ما الذي يتحرك، ومتى، وأين. والأهم من ذلك كله، كان يعلم متى يوشك النظام على الانهيار.

بحلول أوائل عام 1945، حين كان العديد من الضباط لا يزالون يتحدثون عن أسلحة خارقة وهجمات مضادة مستحيلة، كان هوفمان قد استسلم للهزيمة. لم يُعلن ذلك جهارًا، ولم يترك أي سجل مكتوب. لكنه بدأ يفعل ما هو أشد خطورة: الاستعداد. تحويلات مالية، اتصالات سرية مع وسطاء أجانب، نسخ وثائق، طرق بحرية بديلة. كل شيء تم بدقة متناهية، تمامًا كما لو كان يُخطط لعملية بحرية.
منحه منصبه مزايا فريدة. فقد كان بإمكانه الوصول إلى غواصات لا تخضع للإشراف المباشر للقيادة العليا البرية. وكان بإمكانه تبرير تحركات غير معتادة باعتبارها جزءًا من مناورات لوجستية. كما حظي بولاء مطلق من بعض القادة، رجال مُدرَّبين على الطاعة دون نقاش. ومن بينهم برز هينريش شيفر، قائد الغواصة يو-977، وهو ضابط معروف بانضباطه وصمته.
حانت اللحظة الحاسمة في 28 أبريل 1945. كانت القوات السوفيتية على بُعد خطوات من مستشارية الرايخ. تحولت برلين إلى متاهة من النيران والدخان والمباني المنهارة. انهار التسلسل القيادي، وتعطلت الاتصالات، وسادت الفوضى العارمة. في ذلك الصباح، ووفقًا للسجلات الرسمية، حضر هوفمان اجتماعًا في مقر قيادة البحرية. زعم شهود عيان أنهم رأوه هناك في تمام الساعة التاسعة. كان يرتدي زيه العسكري، ولم يتحدث كثيرًا، ولم يُصدر أي أوامر استثنائية.
لم تكن هناك وداعات. لم تُرسل رسائل أخيرة. اختفى اسمه من جميع المراسلات الرسمية. بالنسبة للمؤسسة العسكرية الألمانية، اختفى فيلهلم هوفمان تمامًا. ما حدث بعد ذلك كان لا بد من تجميعه من شظايا ووثائق غير مكتملة وشهادات تم الحصول عليها بعد عقود.
أظهر سجل بحري متضرر جزئيًا أن غواصة غادرت ميناء كيل في 29 أبريل/نيسان دون تصريح رسمي. كانت الغواصة يو-977. لم تكن تحمل طوربيدات، وهو أمر غير معتاد حتى في مهمات النقل. بدلًا من ذلك، كانت حمولتها محملة بالمؤن والوقود والإمدادات الطبية بكميات تفوق المعتاد بكثير. رسميًا، كانت مجرد دورية أخرى، واحدة من بين عشرات الغواصات التي تحاول الإفلات من الحصار الذي فرضه الحلفاء.
رصدت أجهزة الاستخبارات البريطانية والأمريكية مغادرة الغواصة، لكنها لم تولِها أهمية كبيرة. ففي الأيام الأخيرة من الحرب، كانت العديد من الغواصات الألمانية تستسلم أو تحاول الوصول إلى موانئ محايدة. ولن تبرز غواصة أخرى وسط ضجيج الانهيار. ولم يشك أحد في هوية من قد يكون على متنها.
غامرت الغواصة يو-977 بالدخول إلى المحيط الأطلسي واختفت. لم يظهر لها أي أثر لأشهر. لم تُسجّل كغواصة غارقة، ولم تظهر بين الغواصات المستسلمة. ببساطة، اختفت من الخرائط والتقارير. بالنسبة لمحللي الحلفاء، كان ذلك شذوذًا بسيطًا في حرب مليئة بالشذوذات.
في ذلك الشهر، أفادت البحرية الأرجنتينية بظهور غواصة ألمانية قبالة سواحل مار ديل بلاتا، على بعد حوالي 400 كيلومتر جنوب بوينس آيرس. استسلم طاقمها دون مقاومة. صرّح القبطان شيفر بأنهم كانوا في البحر منذ ما قبل نهاية الحرب، ولم يعلموا باستسلام ألمانيا إلا بعد فترة طويلة. وادّعى أنهم، في ظل حالة عدم اليقين والخوف من الوقوع في أيدي السوفيت، قرروا الاستسلام لدولة محايدة.
بدأت التحقيقات فورًا. استجوب ضباط الحلفاء كل تفاصيل الرواية. كانت الرحلة طويلة، لكنها ممكنة من الناحية الفنية. وتناسبت مدة الرحلة، وإن كان ذلك بفارق ضئيل. وأكد الطاقم رواية القبطان حرفيًا. مع ذلك، كانت هناك تناقضات يصعب تجاهلها. لم تتطابق قائمة الطاقم مع سجلات المغادرة من كيل. كانت هناك أسماء مفقودة، وأخرى زائدة. والأكثر إثارة للدهشة، عدم وجود قوائم ركاب، وهو بروتوكول اتبعته البحرية الألمانية بدقة متناهية.
عندما سأل المحققون مباشرةً عن ويلهلم هوفمان، أنكر شيفر رؤيته بعد أوائل أبريل. وقال إنه لم ينقل أي ضباط رفيعي المستوى. لم تُسفر اختبارات كشف الكذب، البدائية آنذاك، عن أي نتائج واضحة. كان شيفر مُدرباً على تحمّل الضغوط. لقد عاش لأسابيع تحت الماء، في صمتٍ مُطبق، مُنتظراً الموت. لم يكن الاستجواب ليُكسره.
في غياب أدلة ملموسة، توقفت القضية. كان العالم يدخل مرحلة جديدة، وبدأت الحرب الباردة في إعادة تحديد الأولويات. وُجّهت الموارد نحو الاتحاد السوفيتي. استمر البحث عن النازيين، لكن اسم هوفمان بدأ يختفي من قوائم المطلوبين العاجلين. رسميًا، ظل مصيره مجهولًا.
كشفت وثائق رُفعت عنها السرية بعد عقود أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أبقت ملفًا مفتوحًا عن فيلهلم هوفمان لسنوات. وتحدثت تقارير ميدانية من بوينس آيرس عن شائعات متداولة: ضابط بحري ألماني سابق يعيش في المناطق الداخلية من البلاد؛ رجل طويل القامة، في الخمسين من عمره تقريبًا، يحمل ندبة مميزة على يده اليسرى، تذكارًا لحادث قارب وقع قبل الحرب؛ شهادات غامضة؛ عناوين غير دقيقة؛ كل خيط من خيوط القضية يتلاشى قبل أن يتم تأكيده.