عمل المخرج الأسترالي، المعروف بتدينه الكاثوليكي العميق ورؤيته غير التقليدية، على كتابة السيناريو لأكثر من سبع سنوات مع راندال والاس وشقيقه دونال جيبسون وعلماء اللاهوت التاريخيين. بدأ التصوير في أغسطس 2025 في إيطاليا، في تشينيتشيتا وماتيرا وقرى أخرى في بازيليكاتا اختيرت لاستحضار عراقة الأرض المقدسة. طاقم التمثيل جديد كلياً: جاكو أوهتونين يؤدي دور يسوع، ومارييلا غاريغا تجسد شخصية مريم المجدلية، بينما يظهر ممثلون بارزون مثل كاسيا سموتنياك وريكاردو سكامارشيو في أدوار رئيسية.

تبلغ الميزانية التقديرية ما يقرب من 200 مليون دولار إجمالاً، مما يجعله أحد أغلى الأفلام في عام 2027. سيتم إصدار الجزء الأول في يوم الجمعة العظيمة 2027، والجزء الثاني بعد 40 يومًا، في يوم الصعود.

لكن ما يجعل هذا المشروع مثيرًا حقًا هو مصدر إلهام جيبسون المعلن: الكتاب المقدس الإثيوبي، أو بالأحرى قانون الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية التوحيدية، الذي يتألف من 81 كتابًا (أو 88 في بعض النسخ)، يُعتبر الكثير منها من الكتب المنحولة أو مستبعدًا من القانون الغربي المحدد في مجامع القرن الرابع. وقد حُفظ هذا الكتاب المقدس لقرون في أديرة نائية في جبال إثيوبيا، وهو مكتوب باللغة الجعزية – اللغة السامية القديمة – ويتضمن نصوصًا مثل كتاب أخنوخ، وكتاب اليوبيلات، وكتابات أخنوخية أخرى تصف رؤى سماوية، وملائكة، وشياطين، ونظرية كونية معقدة.
في هذه النصوص، لا يظهر يسوع (أو المسيح القائم من بين الأموات) فقط كمعلم لطيف ومتألم في الأناجيل الإزائية، بل كشخصية كونية، متألقة بنور مبهر، وحضور قوي لدرجة أنه يجعل الخليقة نفسها ترتجف.
ألمح جيبسون في مقابلات وتصريحات إلى أن رؤيته للقيامة تتجاوز مجرد الحدث التاريخي، فهي تشمل “النزول إلى الجحيم” (ما يُعرف بـ”نزول الجحيم”)، ومعارك روحية بين قوى سماوية وأخرى جهنمية، وتصوير المسيح القائم من بين الأموات ككائن من نار ونور كوني. وقال: “إنها ليست مجرد فيلم، إنها حرب روحية”.
بحسب مصادر مطلعة على المشروع، استلهم المخرج فكرته من وصف إثيوبي يظهر فيه المسيح القائم من بين الأموات ككيان مهيب: ملائكة تصمت أمامه، وواقع يخضع لحضوره، وهالة مهيبة ومُخلِّصة في آنٍ واحد. تتناقض هذه الصورة مع الأيقونات الغربية التقليدية، حيث يُصوَّر يسوع القائم من بين الأموات غالبًا بلطف، وجراح ظاهرة، وهالة من السلام والسكينة.
تتضمن النسخة الإثيوبية من الكتاب المقدس، الفريدة في اكتمالها، مقاطعَ من الكتاب المقدس تعود لما بعد القيامة، والتي يعتقد البعض أنها حُذفت أو استُبعدت من الأناجيل القانونية. تصف هذه النسخة رؤىً يكشف فيها يسوع أسرارًا كونية لتلاميذه، وتشرح مصير الأرواح، وتصف التسلسل الهرمي للملائكة والشياطين، وتقدم منظورًا أخرويًا يشمل الكون بأسره. ويبدو أن جيبسون يرغب في تقديم هذه العناصر على الشاشة بأسلوب بصري ملحمي: مشاهد هبوط إلى الجحيم بمؤثرات خاصة تخطف الأنفاس، ولقاءات مع كيانات روحية، وقيامة ليست مادية فحسب، بل تحويلية على نطاق كوني.
“إن القيامة ليست مجرد حقيقة من الماضي،” كما أعلن، “إنها أمل للمستقبل، ولكنها أيضاً لغز يهز أسس الواقع.”
أثار هذا الخيار جدلاً واسعاً. فبالنسبة للكاثوليك التقليديين، الملتزمين بالنصوص المقدسة التي حددها مجمع ترينت، فإن الاعتماد على النصوص المنحولة أو غير الأرثوذكسية يُنذر بالانزلاق إلى الهرطقة أو إلى رؤية ألفية قريبة جداً من التيارات الإنجيلية ذات النزعة الأخروية. ويتهم بعض النقاد جيبسون بمزج مصادر غير أرثوذكسية، كما فعل في فيلم “آلام المسيح”، مع الرؤى الصوفية لآنا كاتارينا إميريش. في المقابل، يرى آخرون في الفيلم فرصة لإعادة اكتشاف جوانب منسية من المسيحية المبكرة: فإثيوبيا، التي اعتنقت المسيحية منذ القرن الرابع، حافظت على تقاليد عريقة، بعيدة كل البعد عن التأثيرات الرومانية والبيزنطية التي شكلت الغرب.
ليست هذه الظاهرة بجديدة. ففي السنوات الأخيرة، ساهمت مقاطع الفيديو والمنشورات المنتشرة على منصات مثل يوتيوب وفيسبوك في تضخيم فكرة أن “ميل غيبسون اكتشف يسوع الذي غيّر كل شيء في الكتاب المقدس الإثيوبي”. وتتحدث عناوين مثيرة عن “وحي خفي”، و”مقاطع محذوفة من الأناجيل الحديثة”، و”مسيح كوني مشع ومرعب”. ورغم أن العديد من هذه الادعاءات مبالغ فيها أو تفتقر إلى مصادر أكاديمية موثوقة، إلا أنها تعكس رغبة واسعة الانتشار: ففي عصر الأزمات الروحية، يسعى الكثيرون إلى إيمان أعمق وأكثر روحانية، قادر على مواجهة لغز الوجود خارج نطاق الروايات التقليدية.
من جانبه، لطالما أصرّ جيبسون على الأصالة التاريخية والروحية لأعماله. ففي فيلم “آلام المسيح”، استخدم الآرامية والعبرية واللاتينية ليغمر المشاهد في سياق القرن الأول الميلادي؛ ويؤكد هذا النهج نفسه في الجزء الثاني.
لكن هذه المرة ينصب التركيز على “التبعات”: ماذا حدث بين الصليب وفجر عيد الفصح؟ أين ذهب يسوع خلال تلك الأيام الثلاثة؟ كيف انتصر على الموت على نطاق كوني؟ يعد الفيلم باستكشاف هذه الأسئلة بقوة بصرية قد تترك المشاهدين في حالة صدمة، كما حدث قبل عشرين عامًا، عندما غادر آلاف الأشخاص دور العرض وهم يبكون أو يعانون من أزمة وجودية.
يُضفي طاقم الممثلين العالمي والمواقع الإيطالية طابعًا ملحميًا: فمدينة ماتيرا، بأحجارها التي يعود تاريخها إلى ألف عام، تُذكّر بالقدس القديمة؛ ويُعدّ التصوير في بازيليكاتا استمرارًا لتقليد سينمائي جعل من إيطاليا موقعًا مثاليًا للأحداث التوراتية. وتطمح شركة Lionsgate، الموزعة للمشروع، إلى تحقيق تأثير عالمي، من خلال عروض خاصة وحلقات نقاش لاهوتية مُخطط لها بالتزامن مع إطلاق الفيلم.
في نهاية المطاف، لا يُعدّ فيلم “قيامة المسيح” مجرد فيلم، بل هو تحدٍّ. فهو يتحدى الأعراف، واليقينيات الجامدة، والصور النمطية المُنمّقة ليسوع. ويطرح الفيلم صورةً للمسيح الكوني، الذي لا يكتفي بإنقاذ الأرواح، بل يُعيد تشكيل الكون، شخصية نورانية شديدة السطوع تكاد تكون لا تُطاق. إذا استطاع جيبسون ترجمة هذه الرؤية إلى صور مؤثرة، فلن يكتفي بتحطيم أرقام شباك التذاكر، بل سيُعيد إحياء نقاش قديم: من هو يسوع حقًا؟ هل هو مُعلّم سلام، أم نبي مُتألم، أم قوة كونية تتجاوز كل فهم بشري؟
بينما ينتظر العالم عام ٢٠٢٧، يبقى أمر واحد مؤكدًا: هذا الفيلم لن يتركنا غير مبالين. قد يهزّ إيمان الملايين، أو يُعيد فتح جراح قديمة، أو يُشعل شرارة أمل جديد. في عصر الشك والانقسام، يُراهن ميل غيبسون بكل شيء على قيامة تتجاوز التاريخ، نحو اللانهاية. وربما، في هذا “البعد” تحديدًا، سنجد الجرأة الحقيقية للوحي.