ابتسامة الوحش. كان يوم ثلاثاء في نوفمبر عام ١٩٤٣. كانت السماء فوق أوشفيتز منخفضة، ثقيلة، رمادية معدنية بدت وكأنها تسحق الأرض المتجمدة. لم يكن هناك ثلج، فقط هذا الطين الأسود اللزج المنتشر في كل مكان والذي كان يمتص الأحذية والأرواح.
وقفت إليز، البالغة من العمر 22 عامًا، أثناء نداء الأسماء الصباحي. كانت ترتجف ليس فقط من البرد القارس، الذي حوّل سترتها الرقيقة المخططة إلى ما يشبه ورقة لامعة عند درجة حرارة -5 مئوية، بل أيضًا من الشائعات المتداولة. في المعسكر، كانت الأخبار تنتشر بسرعة البرق. ترددت شائعات عن وجود عملية انتقاء خاصة في ذلك اليوم، ليس لغرف الغاز، بل لشيء آخر تمامًا. شيء أطلقت عليه النساء الأكبر سنًا اسم “الخدمة الطبية”.

وصلت إليز قبل ثلاثة أسابيع. لا تزال لديها بعض المدخرات، طبقة رقيقة من الدهون على عظامها لم يلتهمها الجوع تمامًا بعد. كان شعرها لا يزال قصيرًا وغير متساوٍ، لكنه لا يزال موجودًا. وفوق كل ذلك، لا تزال تحمل تلك السذاجة الخطيرة، تلك الذكرى العنيدة لحياتها السابقة في ليون، حيث كان والدها صيدليًا، وحيث كان الرجال ذوو المعاطف البيضاء منقذين ومعالجين. لم تكن تعلم بعد أن اللون الأبيض هناك هو لون الموت.

انفرجت الصفوف فجأة. ساد صمت مطبق على المبنى. حتى الكلاب، التي كان الحراس يمسكون بها، توقفت عن حبس أنفاسها. وصل. لم يكن ضابطًا عاديًا يرتدي حذاءً موحلًا ويحمل سوطًا. كان رجلًا يتمتع بأناقة بالغة، لدرجة أنها تناقضت بشدة مع البؤس المحيط به. كان يرتدي معطفًا رماديًا طويلًا مصممًا بدقة، ووشاحًا من الكشمير، وقفازات من الجلد الناعم.
كان وجهه حليقًا تمامًا. تفوح من بشرته رائحة الكولونيا والصابون النظيف. رائحة نادرة هناك، تكاد تكون نفاذة. إهانة شمية للنساء اللواتي تفوح منهن رائحة الزحار والخوف. كان هو الطبيب. لم يكن بحاجة للصراخ. سار ببطء بين الصفوف، يفحص الوجوه باهتمام يكاد يكون وديعًا. كان يبحث عن شيء محدد. لم يكن يبحث عن الضعف ليقضي عليه. كان يبحث عن الحياة. كان يبحث عن الصحة.
توقف أمام إليز. خفق قلبها بشدة. حدقت في الزر الفضي الثالث على معطفه، ولم تجرؤ على رفع نظرها. كانت القاعدة بسيطة: لا تنظري إلى إله، وإلا ستصعقكِ صاعقة. لكن الطبيب مدّ يده المغطاة بقفاز، وبرقةٍ أرعبتها، رفع ذقنها.
قال بالفرنسية: “انظروا إلي!”

كان صوته هادئًا، رقيقًا، خاليًا من أي أثر للكراهية. كان صوت أب، صوت معلم. أطاعت إليز. كانت عيناه الزرقاوان صافيتين وذكيتين. رأت ابتسامة خفيفة مطمئنة. لم يكن في تلك النظرة أي جنون، وكان هذا تحديدًا الجانب الأكثر رعبًا. بدا طبيعيًا.
سأل: “كم عمرك؟”
همس قائلاً: “عمري 22 عاماً يا سيدي”.
“هل أنجبتِ أطفالاً من قبل؟”
“لا يا دكتور.”
“هل دورتك الشهرية منتظمة؟”
بدا السؤال المطروح هناك، وسط الوحل والجثث المتراكمة قرب الأسلاك الشائكة، سخيفاً. احمرّ وجه إليز خجلاً.
“نعم، قبل ذلك. نعم.”
أومأ الطبيب برأسه بارتياح. ثم التفت إلى مساعده.
“هذا مثالي. الرقم 9250. اكتبه.”
ثم عاد إلى إليز. خلع قفازه الأيمن، فظهرت يد عازف البيانو النظيفة والمهندمة. لمس خد الشابة المتسخ بيده. ارتجفت إليز من ملامسة بشرته الدافئة لوجهها البارد. كانت لفتة إنسانية، رقيقة.
قال بصوت خافت: “لا تخافي يا صغيرتي”.
“لن تعودي إلى العمل القسري اليوم. أنتِ محظوظة. أحتاج إلى نساء مثلكِ لمساعدتي في بحثي. الجو حار في المبنى رقم 10، وهناك طعام. ستكونين بأمان.”
آمن؟ رنّت الكلمة في ذهن إليز كأنها وعد إلهي. تذكرت ضربة المجرفة، والحجارة الثقيلة، والحساء الذي لم يكن سوى ماء عكر، وأمامها، هذا الرجل يمنحها الدفء.
“شكراً لك يا دكتور!” همست والدموع تملأ عينيها.
لم تكن تعلم أنها شكرت خاطفها للتو. لم تكن تعلم أن حرارة العنبر رقم ١٠ لم تكن حرارة مدفأة، بل حرارة فرن. ظنت أنها نجت من الجحيم، لكنها ببساطة اجتازت أعمق دائرة من العذاب. اقتيدت على الفور. تركت صفوف السجناء الآخرين تحت نظراتهم الحاسدة.
همس قائلاً: “سيؤدي ذلك إلى إغلاق الطريق رقم 10”.
“ستأكل اللحم.”
لم يخبرهم أحد بالحقيقة. أو ربما كانوا يعلمون، وشعروا بالأسف فعلاً. كان المبنى رقم ١٠ حالةً استثنائية. حصنٌ موحشٌ بنوافذ مغلقة. لم نكن نستطيع الرؤية من الداخل، ولا من الخارج. كان عالماً منعزلاً، أشبه بعالم الزهد.
ما إن عبرت إليز العتبة حتى فاجأتها رائحة كريهة. لم تكن رائحة المعسكر القاتلة، بل كانت رائحة كيميائية نفاذة، مزيج من المُبيّض وشيء آخر، رائحة معدنية حلوة. رائحة دم طازج. لكنها كانت حارة، حارة بشكل لا يُطاق. ولأول مرة منذ أسابيع، استرخت عضلاتها. اصطحبتها ممرضة، سجينة بولندية بوجهٍ عابس، إلى سرير في مهجع نظيف. كانت هناك ملاءات، ملاءات بيضاء ناصعة.
قالت الممرضة دون أن تنظر إليها: “استريحي!”
“سيرى الطبيب حالتك الليلة، تناول هذا.”
ناولها قطعة خبز سميكة وشريحة من النقانق. التهمت إليز الطعام، ترتجف من شدة الامتنان. شعرت بالذنب لأنها تأكل بينما أصدقاؤها يموتون في الخارج. لكن غريزة البقاء كانت أقوى. أقنعت نفسها بأن الطبيب رجل طيب، عالم ربما كان يحاول إنقاذ الأرواح وسط تلك الفوضى. استسلمت لهذا الوهم. تشبثت به كما يتشبث الناجي بلوح خشبي متآكل.
مرت الساعات. أحيانًا كانت تسمع أصواتًا مكتومة قادمة من الطابق السفلي، صوت ارتطام معدني، وخطوات ثقيلة، وأحيانًا أخرى، خافتة جدًا، كما لو كانت تتسلل عبر الجدران السميكة، صوتًا يشبه الأنين. لكنها طمأنت نفسها بأنه ليس صراخ ألم. ربما كان يستيقظ من التخدير. إنه مستشفى في النهاية.
في تمام الساعة السادسة مساءً، فُتح باب المهجع. ودخل اثنان من حاملي النقالات. لم يبدُ عليهما أنهما من مقدمي الرعاية. كانت أذرعهما ثقيلة ووجوههما خشنة.
“الرقم 9254″، نبح أحدهم.
“الطبيب ينتظرك.”
نهضت إليز. سوّت رداءها. أرادت أن تترك انطباعًا جيدًا. أرادت أن تثبت أنها جديرة بهذه الفرصة. تبعت الرجال في الممر، ثم نزلت الدرج إلى القبو. كلما توغلوا في النزول، ازدادت رائحة المواد الكيميائية قوةً، فخنقتها. وصلوا إلى باب مزدوج. فتحه أحد حاملي النقالة.
كانت الغرفة غارقة في ضوء كهربائي ساطع. كل شيء أبيض: البلاط، الجدران، الخزائن ذات الأبواب الزجاجية المليئة بالجرار والأدوات اللامعة. في وسط الغرفة، كانت تقف طاولة فحص نسائية ضخمة وباردة، بأقواس معدنية وأحزمة جلدية بنية ثقيلة تتدلى من جانبيها كالأفاعي الميتة. كان الطبيب هناك.
كان ظهره مُدارًا، يغسل يديه فوق حوض من المينا. كان يرتدي قميصًا ناصع البياض، أبيض ناصعًا. استدار عندما سمع إليز تدخل. ابتسم لها مجددًا، تلك الابتسامة الأبوية المطمئنة نفسها.
قال بهدوء: “آه، إليز!”
تفضل بالدخول. لا تخف. هذا مجرد فحص روتيني. أريد فقط التأكد من أن كل شيء يعمل بشكل صحيح داخلياً لضمان لياقتك للعمل.
جفف يديه بدقة، إصبعًا إصبعًا.
“اخلعي ملابسك واستلقي على الطاولة”، أمرها بنبرة لم تتغير، كما لو كان يطلب منها الشاي.
ترددت إليز للحظة. وقع نظرها على عربة قرب الطاولة. عليها محقنة. محقنة زجاجية ضخمة بإبرة طولها عشرون سنتيمترًا. وبجانبها زجاجة مملوءة بسائل أصفر لزج. دوى صوت إنذار بدائي في رأسها: اهربي! لكن إلى أين ستهرب؟ كان حاملو النقالة يسدون الباب، أذرعهم متقاطعة وابتسامات شريرة تعلو شفاههم. لقد نُصب الفخ.
الدفء، والخبز، والملاءات البيضاء: كل شيء كان موجوداً ليجلبها إلى هنا. موافقة، مطيعة، حتى هذه اللحظة بالذات.
قال الطبيب بصوتٍ أصبح قاسياً بشكل غير محسوس، وفقد جزءاً من دفئه: “هيا يا عزيزتي”.
“ليس لدينا كل الليل. لن تشعر بأي شيء؛ إنه مجرد إجراء بسيط.”
بدأت إليز، ويداها ترتجفان، بفك أزرار سترتها. لم تكن تعلم بعد أن كذبة الطبيب كانت هي الجرح الأول. “لن تشعري بشيء”. كان هذا أسوأ ما يمكن أن تقوله، لأنها بعد دقائق قليلة ستشعر بكل شيء، بكل شيء حرفيًا. صعدت إلى السرير. جعلها ملامسة المعدن البارد لبشرتها العارية تقفز.